حتى لا نفتح بوابة الحرب الدينية

بقلم عبد اللطيف المناوي

لاشك أن ما يحدث فى العالم العربى خلال الأيام الماضية خطير، بداية من إحراق سفارة السعودية فى طهران، وقنصليتها فى مشهد، مروراً بقطع دول عربية عدة علاقاتها مع طهران، انتهاء بالتحريض الذى ملأ بعض وسائل الإعلام العربية للأسف، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعى، ضد المواطنين الشيعة فى الدول العربية، وتقسيم العالم العربى إلى سُنى وشيعى، وكأننا على بوابة حرب دينية كبيرة لابد أن ينتصر فيها أحد الطرفين بالقضاء على الطرف الآخر.

100_0757-1.jpg

سياسياً، من الممكن أن نتكلم عن الكثير من التفاصيل، مثل أنه ليس من حق دولة أن تتدخل فى شؤون دولة أخرى، أو تعلق على إعدام «مواطن» ينتمى لجنسية دولة أخرى، حتى لو كانت مرجعيته الدينية عائدة لها، ومن الممكن أن نتحدث عن أهمية احترام اتفاقية فيينا فيما يخص حماية السفارات والقنصليات، لكن الأهم من كل هذا هو خيط اللهب الذى يحاول البعض إذكاءه، بإثارة النعرات الدينية والمذهبية بين سكان الدول العربية، الذين ينتمى بعضهم للسُّنة أو للشيعة، وهو الخيط الذى إذا اشتعل فلن ينطفئ أبداً.

نعلم أن إيران ستحاول استغلال أذرعها السياسية أو الدينية، فى الدول العربية المجاورة، مثل حزب الله فى لبنان، أو ميليشيات الحوثى فى اليمن، أو غيرهما فى سوريا والبحرين، لكن ما يتوجب علينا الانتباه إليه هو عدم منحها الفرصة لاجتذاب «الشيعة» فى الدول العربية لصفها، بسبب تهميشنا لهم، والإشارة إليهم فى وسائل الإعلام باعتبارهم خونة.

الشيعة فى الدول العربية هم مواطنون عرب، لعبوا أدواراً وطنية، ولهم كامل حقوق المواطنة، ويجب عدم التعامل معهم باعتبارهم أقليات ناقصى الأهلية، كما يجب التوقف عن معاملتهم باعتبارهم خونة يدينون بالولاء لدولة أخرى، لأن ليس كل الشيعة «حزب الله»، ولا كلهم من الحوثيين، والمزيد من الضغط عليهم فى هذا الاتجاه سيجعلهم يولون الأدبار إلى إيران، التى تنتظر فقط أن يلتفتوا إليها.

حل جزء من المشكلة يكمن فى تعاملنا مع القضية، هل هى مشكلة سياسية يجب أن نحلها بالوساطات الدولية، أم أننا نريد أن نحولها إلى «حرب دينية»، بتهميش «الشيعة العرب»، دون أن نضع فى حسباننا أدوارهم الوطنية فى بلادهم، مثل دورهم فى الحراك المدنى فى العراق على سبيل المثال.

خلق مشكلة جديدة اسمها «الشيعة العرب»، ورميهم بالعمالة لطهران، لن يقل خطورة عن مشكلة «داعش»، وهو أمر ستسعد به إيران التى تريد أن تصور إرهابيى «داعش» باعتبارهم مقاتلين سُنة، لكن لن يسعد به العالم العربى، الذى سيتحول إلى ساحة قتال كبيرة بين الفصيلين.

تنظيم «داعش» الإرهابى لا يعبر عن السُّنة، ومواقف إيران المتطرفة لا تعبر عن الشيعة فى الدول العربية، وإذا كانت لإيران أذرع فى بعض هذه الدول، فهذا لا يعنى أن ولاء كل الشيعة العرب لإيران ضد بلادهم.

لسنا فى حاجة إلى خلق مشكلة جديدة، وحتى لا نفتح الباب لحرب دينية لا تُبقى ولا تَذَر، يجب على الدول العربية وحكوماتها التعامل بحرص مع ملف الأقليات الشيعية، وعلى وسائل الإعلام أن تنتبه للدرس، فمَن يلعب بنار «الطائفية» لابد أنها ستحرق يده، وربما بيته فى النهاية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s