مارين لوبان على ضفاف النيل

331116_0بقلم عبد اللطيف المناوي

فرض لعبة المصالح الوطنية والبراجماتية السياسية إعادة النظر إلى كل المواقف التى نراها حولها، وهو ما يستدعى بالتالى القبول بالجلوس مع شخص ربما نختلف معه سياسياً، لكن يمكن أن نصل معه إلى طريق وسط يحقق المصالح الوطنية، حتى لو كان ذلك على المدى البعيد، وليس بعيداً عن هذا ما يمكن أن نقوله عن أهمية احترام الآخر وقبوله والاستماع إليه، ومحاولة شرح المواقف الصحيحة، ومحاولة رأب الصدع، والوصول إلى مشتركات تسهّل تحقيق مصالح سياسية.

ومناسبة هذا الكلام ما أثير مؤخرا حول زيارة رئيسة حزب الجبهة «الوطنية» الفرنسى مارين لوبان للقاهرة، فعلى الرغم من مواقف لوبان المتشددة عموماً، إلا أنه يمكن النظر بإيجابية إلى زيارتها الأخيرة للقاهرة، والتى التقت فيها عددا من المسؤولين والشخصيات العامة، من بينهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والبابا تواضروس، وأود التركيز هنا على لقائها بشيخ الأزهر، الذى تمكن خلاله من توضيح وجهة نظر العالم الإسلامى لـ«لوبان»، والتفريق بين ما هو إسلامى وما هو إرهابى.

لقاء شيخ الأزهر بـ«لوبان» تم بناء على طلبها، وهو ما يؤكد اهتمامها بالاستماع إلى رأى الدين الوسطى، وفى اللقاء أكد شيخ الأزهر أحمد الطيب أنه «لا يوجد إسلام سياسى ولا إسلام متطرف، لكن هناك مسلمين معتدلين يفهمون صحيح الدين، وهم كثرة، وآخرين متطرفين، وهم قلة، أساءت فهم الدين»، محملاً «الغرب مسؤولية تفشى تيارات العنف، لأنه احتضن الإرهابيين وأمّن لهم بيئة خصبة لنشر التطرف والعنف فى الدول الإسلامية»، وهو ما اتفقت معه عليه لوبان التى طلبت مساعدة الأزهر فى فرنسا للتحرى عن بئر الإرهاب ثم محاربته، وهو ما رد عليه شيخ الأزهر بأنه تقدم سابقاً بعرض مشروع لتدريب الشيوخ كيف يحاربون أسباب التطرف ولكنه رفض من فرنسا بسبب طبيعتها العلمانية.

ما يمكن قراءته من الموقف السابق هو أهمية التعامل ببراجماتية مع الطرف الآخر، للوصول إلى هدف مشترك يخدم كلا الطرفين، فإذا كان هناك عدو مشترك لدينا، وهو الإرهاب، سواء المنتشر داخل العالم العربى أو فى أوروبا، بصوره المختلفة، فلابد من التصدى له باستدعاء الإسلام الحقيقى، وهو ما حرصت لوبان على تأكيده فى لقائها مع شيخ الأزهر، الذى كان يدرك أن تجفيف منابع الإرهاب فى الغرب لن يتم إلا بإظهار الصورة الحقيقية للإسلام، وتوضيح هذه الصورة للغرب، خاصة إذا عرفنا أن عددا لا بأس به من مقاتلى داعش من مسلمى الغرب، الذين لا يرون فى الإسلام إلا هذه الصورة المرعبة. كما كان شيخ الأزهر يدرك أن الأزهر وحده لا يمكن أن يحارب الإرهاب، ويجب أن تتحد قوى العالم لتوعية البسطاء فى كل مكان، وهو ما حرص على شرحه لـ«لوبان».

إذا كان البعض يرى أن هذه الزيارة تأتى فى إطار حملة رئاسية مبكرة لمارين لوبان، فإن الواقع يكشف أنها فى زيارتها إلى مصر كانت منفتحة على الواجهة الأولى للإسلام فى العالم، مبدية تراجعها عن الصورة التى طالما رسمها وسوّق لها حزب الجبهة الوطنية على مدار عقود، بتصريحات مستفزة ورؤية غير نافذة للإسلام وأتباعه.

لكننا فى نفس الوقت لا يمكن أن نلوم الغرب وحده على نظرته للإسلام، فصعود مصطلحات مثل الإسلاموفوبيا والتطرف لم يكن الغرب وحده سببا فيها، بل صعود الإسلام الراديكالى، سواء فى أحداث 11 سبتمبر فى أمريكا أو أحداث لندن وإسبانيا أو ما تم أخيرا فى فرنسا ذاتها بعد الهجوم الإرهابى على مقر المجلة الفرنسية الساخرة «شارلى إيبدو» فى باريس، بداية 2015، والتى أنتجت هجمة مضادة للإسلام فى فرنسا وخارجها، لذا لا يمكن إلا أن نستغل مثل هذه الزيارات لتغيير هذه الصورة عن الإسلام، ولـ«مصلحة المسلمين العليا» كما قال شيخ الأزهر.

سياسياً، يمكن قراءة تصريحات مارين لوبان بعد زيارتها لمصر، والتى تكشف تفهمها للموقف المصرى، ودعمها لها فى حربها ضد الإرهاب، والتى إن كشفت عن شىء فإنما تكشف عن أنه حتى لو اختلفنا سياسياً مع آخرين، فربما يجب علينا أحياناً أن ننظر ببراجماتية، وأن نعلى المصلحة السياسية التى هى مصلحة الوطن، وفى هذه الحالة يمكننا أن نقرأ زيارة مارين لوبان بطريقة أخرى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s