الأسئلة الصعبة: الثقة.. القدرة.. الأمل

Abdul-Latif-Al-Minawi

بقلم عبد اللطيف المناوي

كانت هذه هى الرسائل الأساسية وعماد توجه المشير عبد الفتاح السيسى إلى الشعب، ملبيا النداء للترشح لرئاسة الجمهورية. كانت هذه وعوده التى أظن أن الناس كانت فى حاجة إلى أن تسمعها مرارا وتكرارا بأشكال وطرق مختلفة ومتعددة. على الرغم من عدم تكرار هذه الرسالة كثيرا فيما بعد إلا أننى أستطيع القول إنها المكونات الرئيسية لنجاح من يريد أن ينجح فى حكم مصر، وأيضاً كانت ملموسة بل واضحة فى مضمون ما تحدث به المرشح ثم الرئيس فيما بعد. صحيح أن وضوح الرسائل أحد أهم عناصر نجاح الخطاب السياسى وضمان تأثيره مستمرا إلا أن ما يمتلكه الرئيس من علاقة شديدة الخصوصية والتفرد مع الناس وعطية التواصل الإلهية مع الناس ضمن له نتائج مستمرة النجاح فى ترسيخ علاقته بالشعب. لكن الاعتماد على هذه العلاقة وحدها دون استثمارها والبناء عليها ليس هو الخيار الأفضل للجميع، للرئيس، للمسؤولين، للشعب بل للدولة كلها.

لنجاح النظام، أى نظام، عدة ركائز، أهمها ثقة المواطن فى قدرة نظامه على الإنجاز، ثم قدرة النظام على الإنجاز، ويترافق ذلك مع القدرة على خلق الأمل لدى الناس بأن القادم أفضل، وذلك من خلال التواصل الصحيح معهم ودفعهم وإقناعهم وخلق الإيمان داخلهم بأهمية مشاركتهم، وحشدهم من أجل الفعل المشترك بين الشعب ونظامه وقيادته. والسؤال الآن هو هل تتوفر هذه العناصر فى المرحلة الحالية؟ هل هناك ثقة لدى الناس فى قدرة نظامها على الإنجاز؟ وهل هو قادر بحق ويمتلك الأدوات للفعل؟ وهل الأمل حاضر فى نفوس الناس ليدفعهم للمشاركة والتحمل والعمل؟

ما سأفعله بمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة هو تمرين ذهنى أدعو القراء إلى ممارسته، وسأبدأ بالإجابة عن سؤال الثقة: هل لدى المواطن ثقة فى قدرة نظامه على الفعل؟ الإجابة هنا هى مزيج متداخل من نعم ولا، وذلك لأن الثقة هنا أو عدمها تتوزع على النظام بمستوياته المختلفة، ابتداء من قاعدة النظام البيروقراطية وحتى رأس النظام. ومعدلات الثقة هنا تتباين ما بين القاعدة والقمة، وهى علاقة اطرادية، بمعنى أنه كلما ارتفعنا إلى القمة ازدادت الثقة فى القدرة على الفعل إلى حدها الأقصى، فى حين تتضاءل إلى قرب العدم فى المستويات القاعدية. بلغة بسيطة ومباشرة وبعيدة عن التقعير فإن الناس مازالوا يثقون بدرجة كبيرة للغاية فى قدرة الرئيس، ومازال الأمل قائما عليه باعتباره القادر على إنقاذ مصر من أزمتها. فى الدائرة التالية مباشرة للرئيس، والتى يمكن اعتبارها الماكينة الرئاسية من أدوات معاونة ومستشارين ومجموعات عمل، فإن الناس غير قادرين على الحكم بالثقة من عدمها بسبب أنها دائرة مجهولة أو مظلمة لهم فلا يعلمون من فيها، وإن كان هناك بعض الأسماء فإن أداءهم غير واضح لهم. وبالتالى فإن قطاعا كبيرا يميل إلى الثقة فى قدرتهم نسبيا لارتباطهم بالرئيس الذى يثقون فيه، والبعض الآخر يتحفظ فى الحكم لأنه لا يعلم.

إذا ما تحركنا خطوة من قمة الهرم إلى المستوى التالى مباشرة، أى إلى الجهاز التنفيذى المعاون للرئيس المتمثل أساسا فى الحكومة بمجلس وزرائها والهيئات والمؤسسات الحكومية الأخرى، فإننا سوف نلحظ انخفاضا ملحوظا فى الثقة فى القدرة على الفعل، وتباينها فى مستوى هذه الثقة، تباينا مرتبطا بالزمن والأشخاص. بدأ الناس فى المرحلة الأولى التالية لانتخاب الرئيس يملؤهم الأمل الذى تحول إلى ثقة فى المجموعة التى كلفها الرئيس بتنفيذ رؤيته لبناء مصر، وساعد على ذلك الأداء الذى بدا مختلفا من الحكومة ورئيسها، وشعر الناس أن المسؤولين الجدد- حتى لو مارسوا المسؤولية من قبل- ينطلقون من منطلقات مختلفة عن ذى قبل، هم أقرب لهم، أو هكذا وصلتهم الرسالة، هم يشبهونهم ويفهمونهم ويعرفون مشاكلهم ويعيشون معهم فى شوارعهم وحاراتهم، أو هكذا وصلتهم الرسالة، لذلك تغلب الكثيرون على شكوكهم وراهنوا على الثقة بهؤلاء المسؤولين الجدد، حتى لو من بينهم قدامى، وهنا زادت معدلات الثقة فى قدرتهم على الفعل فى هذا التوقيت المبكر، وانتظرنا ما تسفر عنه الأيام. وبعد مرور هذه «الأيام» بدأ التراجع فى معدلات الثقة، وهذا ما قصدته بالتباين المرتبط بالزمن. أما التباين المرتبط بالأشخاص فإنه ارتبط بأشخاص المسؤولين الذين كانوا ومازالوا تحت اختبار قاس ومستمر من قبل الناس. ويمكن القول باطمئنان إن الفرز الشعبى المعتمد على الحس الفطرى دقيق الى درجة بعيدة. لذلك فإن مستويات ثقة الناس فى المسؤولين تتباين ما بين مسؤول وآخر، وأيضاً ترتبط بقدرة المسؤول على التعامل مع المشكلات ومع قدرته على التواصل الصحيح مع الناس.

المؤسسة الوحيدة التى تتمتع بدرجة عالية من ثقة الناس فى القدرة على الفعل هى المؤسسة العسكرية، جزء مهم من هذه الثقة يأتى نتيجة ثقة الرئيس بها فيكلفهم بما يعتقد أن القطاع المدنى لن يفلح فى القيام به، وهى تكليفات كثيرة، إضافة إلى تلك العلاقة الخاصة جداً بين المصريين وجيشهم، لكن القضية هنا هى أن هذه الثقة المزدوجة من الرئيس وقطاع مهم من الشعب فى المؤسسة العسكرية، وهى ثقة فى محلها بدرجة كبيرة، تتوازى أو تتزامن مع تراجع فى مستوى الثقة فى القطاع المدنى، وهذه مسألة خطيرة حتى لو كان غياب الثقة له مبررات.

إذن السؤال الأول عن مدى ثقة الناس فى قدرة النظام على الفعل إجابته أشبه بلوحة مرتبكة.. إلى أى مدى ينعكس هذا على قدرة النظام على الفعل؟ هذا هو السؤال الثانى الذى سنمارس تمرين الإجابة عنه المقال القادم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s