إلى أى مدى ننجح مع إثيوبيا؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

أضحت المياه سلاحاً سياسياً يُستخدم للضغط من قبل قوى أخرى فى منطقة حوض النيل، وذلك لتحقيق مآرب أمنية وأهداف استراتيجية لهذه الدول. ورغم اتساق الموقف المصرى بشأن قضية الانتفاع بمياه نهر النيل مع مبادئ وقواعد وأعراف القانون الدولى، إلا أنه يمكن القول إن القانون الدولى لن يكون حلا للخلافات على المياه ما لم تكن هناك اتفاقيات متعددة الأطراف لكامل دول حوض النيل بشأن حقوق توزيع المياه، سواء السطحية أو الجوفية بين الأطراف المتنازعة عليها. كون مشكلة المياه تتفرع عنها مشكلات أخرى عديدة، منها ما يتعلق بالبيئة، وزيادة عدد السكان، وسياسة كل دولة، والمصادر البديلة، وطريقة استخدام المياه، والتكنولوجيا المستخدمة. إن نزاعات بسيطة متعلقة بتطبيق معاهدة ما، أو إنهائها أو بطلانها، قد تتطور إلى نزاعات أخرى أكثر خطورة فيما بين الأطراف من جراء أعمال المعاملة بالمثل، وقد تصل إلى جمود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أو إلى قيام نزاع مسلح فى بعض الحالات، والدول كثيرا ما تلجأ إلى الحلول السياسية التى تسمح لها بحل النزاع.Abdul-Latif-Al-Minawi

وعارضت مصر فى السابق بناء السد الأكبر من نوعه فى أفريقيا، قائلة إنه سيقلل حصتها من مياه النهر. بالمقابل، دأبت إثيوبيا على القول إن السد سيوفر لها حصة عادلة من مياه النيل.

وفى عام 2013 أقر البرلمان الإثيوبى معاهدة مثيرة للجدل تستبدل اتفاقات من عهد الاستعمار كانت تمنح مصر والسودان أكبر حصة من مياه النهر. الرئيس عبدالفتاح السيسى وقّع إعلان المبادئ فى الخرطوم مع رئيس وزراء إثيوبيا هايلى مريام ديسالين، والرئيس السودانى عمر البشير.

وأبدى الزعماء الثلاثة ترحيبهم بالاتفاق فى كلمات بالقصر الرئاسى فى الخرطوم، حيث شاهدوا فيلما قصيرا عن «سد النهضة العظيم» يوضح فوائده للمنطقة.

وحصلت إثيوبيا على دعم قوى من دول حوض نهر النيل الأخرى- رواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا وبوروندى. إن تضمين مبدأ حسن النية فى اتفاقية إعلان المبادئ الخاصة بسد النهضة، التى وقّعها الرئيس عبدالفتاح السيسى مع نظيره السودانى عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبى هايلى مريام مؤخرا، خلال زيارة للسودان، تعد ضمانة مهمة لمصر، حيث تمثل حجة قانونية دولية داعمة لمصر وملزمة لإثيوبيا تحديدا فى انتفاعها من نهر النيل وأيضا من سد النهضة. إن تضمين مبادئ القانون الدولى فى الفصل الأول من الاتفاق يعد أمراً قانونياً إيجابياً للغاية لمصر، حيث يعنى، وفقا لمبادئ القانون الدولى، أن سائر الأعراف والمبادئ وقواعد ذلك القانون، فضلا عن التعاون الدولى لمجارى الأنهار الدولية، ستنطبق على الدول فى تنفيذها الاتفاقية. لأن تفرد الفصل الرابع من الاتفاقية لمبادئ الاستعمال المنصف والمعقول بالنص حرفيا على المعايير والعناصر التى تؤخذ فى الحسبان لتحديد الاستعمال المنصف والمعقول للأنهار الدولية فى غير الأغراض الملاحية منقولة حرفيا من اتفاقية قانون استخدام المجارى المائية الدولية فى الأغراض غير الملاحية عام 1997، وذلك أيضا بالرغم من عدم انضمام إثيوبيا للاتفاقية المشار إليها.

لأن مبدأ حُسن النية الذى جاء فى صدارة الاتفاقية يعنى أن جميع الالتزامات والواجبات الدولية تتعهد بها إثيوبيا بحسن النية، لأن أى اتفاقية مبادئ هى اتفاقية إطارية غير نهائية بطبيعتها ستتبعها ملاحق تفسيرية تفصيلية. لأن الفصل الأول من الاتفاقية يشير إلى مبادئ القانون الدولى العام والتى تقر الحقوق التاريخية المكتسبة للدول بما يضمن الحصص المائية لمصر «55 مليارا».

إن زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى إثيوبيا جاءت لفك أى لغز أو مشكلة عالقة والعمل معًا لمصلحة البلدين «مصر وإثيوبيا» بعيدًا عن أى تدخل خارجى، خاصة المتربصين بأمن مصر. إن التطورات التى تشهدها المنطقة أكدت أهمية الوجود المصرى فى المبادرة الخاصة بـ«اتفاق إثيوبيا ومصر حول سد النهضة»، لالتئام الشمل والقضاء على أسباب الفرقة والانقسام.

مصر لن تفرط فى حقوقها المائية، لكنها نجحت فى التوصل إلى اتفاق يرضى جميع الأطراف ويمنع تحول دول مجرى نهر النيل إلى ميدان للصراعات والحروب، وذلك عبر العودة إلى القانون الدولى.

يتضمن الاتفاق 10 مبادئ أساسية تحفظ الحقوق والمصالح المائية المصرية، وتتسق مع القواعد العامة فى مبادئ القانون الدولى الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية.

وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون، التنمية والتكامل الاقتصادى، التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة، الاستخدام المنصف والعادل للمياه، التعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى، مبدأ بناء الثقة، مبدأ تبادل المعلومات والبيانات، مبدأ أمان السد، مبدأ احترام السيادة ووحدة أراضى الدولة، ومبدأ الحل السلمى للنزاعات، فضلًا عن إنشاء آلية تنسيقية دائمة من الدول الثلاث للتعاون فى عملية تشغيل السدود بشكل يضمن عدم الإضرار بمصالح دول المصب.

وتضمن الاتفاق آلية لتسوية النزاعات بين مصر وإثيوبيا، من بينها التشاور والتفاوض والوساطة والتوفيق، وكلها أدوات نص عليها القانون الدولى لتسوية أى خلافات قد تطرأ حول تفسير أو تطبيق بعض نصوص الاتفاق.

ويؤكد الاتفاق عدم المساس بالاتفاقيات التاريخية لمياه النيل، ولا يتناول حصص المياه أو استخداماتها، إنما يقتصر فقط على ملء وتشغيل السد، على أن يعقب اتفاق المبادئ اتفاقات أخرى.

إن التوقيع على الوثيقة يعنى الموافقة لإثيوبيا على بناء سد النهضة وعودة التمويل الأجنبى الذى كان قد توقف بعد نجاح الدبلوماسية المصرية فى حث الدول المشاركة على وقفه، ومنها الصين وكوريا والبنك الدولى وإيطاليا.

إن السد فى هذه الحالة سيصبح رسميا وشرعيا تم بالتوافق والتراضى بين دول النيل الشرقى الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، وبالتالى يعود التمويل الدولى للسد وهو 5.5 مليار دولار من بنك الصين الوطنى، ومليار دولار من إيطاليا، ومثلها من كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى موافقة البنك الدولى على طرح السندات الإثيوبية للتمويل بضمان السد، وبعدها ستتسارع الخطى فى بنائه والانتهاء منه تماما قبل صدور التقرير النهائى غير الملزم للمكتب الاستشارى والخبير الدولى بعد 15 شهرا من توقيع التوافق، لأن موافقة مصر على سد النهضة تعنى ضمنيا موافقتها على سلسلة مكونة من خمسة سدود أخرى فى إثيوبيا.

إن إثيوبيا فرضت كلمة «يحترم» بدلا من كلمة «ملزم» حول تقرير المكتب الاستشارى لبناء السد، أى أن مصر والسودان ليس من حقهما الاعتراض على التقرير، ومن حق إثيوبيا أن تستمر فى بناء السد دون الالتفات لأى اعتراضات.

إن إثيوبيا ربحت من الاتفاق لأنها مستمرة فى بناء السد كما خططت له منذ البداية، وعلى الدبلوماسية المصرية الرسمية أن تستمر فى سعيها للحفاظ على مصالح مصر المائية، كما أن على القيادة السياسية أن تنتبه جيدا وهى تسعى إلى وضع اتفاق حاسم وحازم يضمن عدم المساس بحقوق مصر التاريخية فى مياه النيل.

إن القيمة الحقيقية لوثيقة اليوم تكمن فى استكمال التفاهم حتى الاتفاق على قواعد ملء السد وتشغيله بأسلوب يضمن حق إثيوبيا فى التقدم دون الإضرار بمصر والسودان. فيما أكد رئيس الوزراء الإثيوبى أن «سد النهضة مشروع للتنمية لكل دول حوض النيل.. ولن يؤثر على الشعب المصرى». لأن توقيع إعلان المبادئ «خطوة جديدة سنبنى عليها اتفاقياتنا المستقبلية»، مشيرا إلى أن توقيع إثيوبيا يؤكد استعدادها للتعاون، لأن الاتفاق تناول المبادئ من منظور علاقتها بسد النهضة وتأثيراته المحتملة على دولتى المصب (مصر والسودان) وليس من منظور تنظيم استخدامات مياه النيل التى تتناولها اتفاقيات دولية أخرى قائمة ولم يتم المساس بها.

ولمصر «حقوقها التاريخية» فى مياه النيل، تحفظها اتفاقيتا 1929 و1959، وتنصان على حقها فى 87 فى المائة من مياه النيل. إن الاتفاق لم يتعرض من قريب أو بعيد لتلك الاتفاقيات أو لاستخدامات مياه نهر النيل، حيث إنه يقتصر فقط على قواعد ملء وتشغيل السد.

وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون، التنمية والتكامل الاقتصادى، التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة، الاستخدام المنصف والعادل للمياه، التعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى، مبدأ بناء الثقة، مبدأ تبادل المعلومات والبيانات، مبدأ أمان السد، مبدأ احترام السيادة ووحدة أراضى الدولة، فضلا عن مبدأ الحل السلمى للنزاعات.

إن إعلان المبادئ جاء فى توقيت مهم لإزالة حالة القلق والتوتر التى خيمت على العلاقات المصرية- الإثيوبية نتيجة الخلافات حول موضوع سد النهضة. إن الاتفاق يوفر أرضية صلبة لالتزامات وتعهدات تضمن التوصل إلى اتفاق كامل بين مصر وإثيوبيا والسودان حول أسلوب وقواعد ملء خزان السد وتشغيله السنوى بعد انتهاء الدراسات المشتركة الجارى إعدادها.

إن إعلان المبادئ يعتبر وثيقة توافقية تمثل حلاً وسطاً بين مواقف الأطراف الموقعة عليها، وليست بالضرورة تُحقق الأهداف الكاملة لأى طرف.

لقد حققت الوثيقة مكاسب لكل طرف تجعله فى وضع أفضل مما كان عليه قبل التوقيع عليها. ولاشك أن المكسب الرئيسى الذى تحقق يتمثل فى نجاح دول حوض النيل الشرقى الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) فى وضع اللبنة الأولى لتعاون أكثر مؤسسية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s