ثقافة «اليوم التالى»

«إحيينى النهارده وموتنى بكرة»، هذا هو أحد الأمثال الشعبية المصرية، التى أظن أن لها مثيلا أو معادلا لدى كل شعوبنا العربية، من المحيط الهادر حتى الخليج الثائر. وبالتدقيق فى مفهوم مثل هذا القول الشائع نستطيع أن نتلمس إحدى أهم المشكلات، أو لنقل الأمراض، التى تميز الشخصية العربية. وهذه المشكلةـ أو هذا المرض ـ يتمثل فى أننا دائماً عاجزون أو غير راغبين فى تحديد خطواتنا التالية لما بعد اليوم. بشكل آخر فإننا دوماً نترك أنفسنا فى موقع رد الفعل، لا نحاول أن نخطط سيناريوهات مختلفة للأحداث التى نواجهها أو قد نواجهها. أى أننا لا نملك سيناريوهات مختلفة لحياتنا، ولا نمتلك بدائل متعددة، ولكن ننتظر حتى يقع الحدث سواء كان الحدث سلبياً أو إيجابياً، وبعدها نقرر ماذا نحن فاعلون.hqdefault

هذا النمط من التفكير ليس حكراً على قيادات فى مجالات مختلفة فحسب، ولكنه أسلوب حياة اخترنا أن نعيشه، ابتداء من أصغر خلية فى المجتمع، التى تبدأ من الشخص منفرداً، إلى الأسرة، إلى العائلة أو القبيلة، وحتى أعلى مستوى فى المجتمع. نحن فى حياتنا لا نطرح السؤال البسيط المهم «وبعدين؟» أو «وماذا بعد؟»، أى ماذا بعد أن نختار أن نقوم بفعل ما، أو ماذا بعد أن يقع حدث ما؟ ما الذى يمكن أن يحدث وكيف يمكن أن نتعامل مع المتغيرات. نحن كأسرة نقرر أن نخرج من المنزل ولكن لا نعلم وجهتنا ولا ماذا نحن فاعلون، وإلى أين نحن متجهون، نكتشف فجأة أن شهر رمضان يبدأ فى اليوم التالى وكأننا لا نعلم بقدومه منذ 11 شهراً.

من منا يعلم ماذا سيفعل الصيف المقبل؟ كم واحدا بيننا يخطط لإجازته فى نصف العام المقبل؟ هل قرر أى منا إذا كان مسافرا أو زائرا لأهله أو باقيا فى مدينته أو بلدته؟ كم واحدا منا يخرج من بيته مع عائلته يوم إجازته وهو يعلم ماذا سيفعل؟ وما هو مخطط اليوم؟ أظن أن الإجابات عن كل هذه الأسئلة لن تكون مفاجئة‏،‏ لأن الإجابة التى أتوقعها أن معظمنا لا يعلم أو لم يقرر أو لم يخطط لما سوف يفعله‏،‏ بل أظن أن البعض منا يمكن أن يفاجأ بالأسئلة ذاتها‏.‏ للأسف الشديد فإن وضع نظام محدد وخطط واضحة لخطواتنا المقبلة هو الأمر الأكثر استبعادا‏.‏ هذه مسألة نعانى منها على المستوى الشخصى ومستوى الأفراد‏،‏ ومستوى التعليم ومستوى التربية‏،‏ نترك الأمور والأيام تقودنا ولا نعطى لأنفسنا القدرة أو الرغبة او الإرادة فى أن نقود نحن الأيام‏،‏ نضع أنفسنا فى موقف رد الفعل فى معظم الحالات والمواقف‏،‏ نترك الأحداث تداهمنا والأيام تمر بنا وتتخطانا ولا نضع مخططا لمواجهة تلك الأحداث أو الاستفادة من الأيام المقبلة قبل أن تأتى‏.‏

ليس ما فات فقط هو كل الصورة‏،‏ ولكن الجانب الآخر منها هو التالى لتعاملنا مع موقف أو أزمة‏،‏ نحن نتفاعل مع الأزمة أو الموقف لحظة مواجهتنا له‏،‏ نتحمس أحيانا‏،‏ نتصرف بشكل صحيح أحيانا، نتغلب على الموقف أو نتجاوز الحدث‏،‏ ننجح أحيانا ونفشل أحيانا‏،‏ ولكن الأكيد أن كثيرا منا لا يعرف ما هى الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا بعد‏،‏ ليس هذا فقط‏،‏ بل إن بعضنا يمكن أن يقرر أن يخرج من بيته ثم يقرر فيما بعد ماذا سيفعل‏،‏ نفتقد هنا ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة اليوم التالى‏،‏ أو ثقافة وماذا بعد وهذه مرتبطة بالمسألة الأولى المرتبطة بالتخطيط المسبق لأيامنا ومواقفنا‏،‏ أو هى الوجه الآخر لها‏.‏ تواجهنا الأزمة‏،‏ أو المشكلة أو الكارثة أو الموقف، ونتخذ رد فعل سريعا قد يكون موفقا‏،‏ أو غير موفق دون أن نقرر وماذا بعد‏،‏ أو ماذا سنفعل الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا سيكون رد فعلنا لو أننا فشلنا هنا أو نجحنا‏.‏

هذه الثقافة هى التى تنتج لنا أياما بلا خطط‏،‏ وأحداثا نجد أنفسنا دائما فى الموقف المتفاجئ بها‏،‏ لنكون فى معظم الأحيان فى موقف رد الفعل وليس موقف الفاعل‏،‏ فى موقف من تقوده الأحداث‏،‏ وليس موقف من يسيطر عليها ويدفعها لمصلحته أو يقلل من آثارها السلبية‏،‏ إن كان لها آثار سلبية‏.‏

بعضنا يخرج فى مظاهرات حاشدة، ولكن لا يحدد ماذا يريد من التظاهرة، وما هى الخطوة التالية لها، وكيف يمكن البناء عليها والاستفادة منها. نطالب باتخاذ مواقف مثل المقاطعة مثلاً، ولكن لا نحدد، بعد أن نتخذ هذا الموقف، ما هى الخطوة التالية وكيف يمكن الاستفادة من رفع شعار جذاب يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين. وهكذا ترتفع مستويات الفعل والحدث ورد الفعل المقابل حتى تصل إلى المستويات الأعلى، فلا نعرف ماذا نحن فاعلون تجاه العراق الآن، وماذا نحن فاعلون إذا ما سقط النظام هناك، ولا نعرف ماذا نحن فاعلون إذا ما وقعت الحرب، ما هى خطواتنا التالية، وكيف نواجه مرحلة ما بعد الحرب.

إن ما نفتقد إليه هو ما أسميه ثقافة «اليوم التالى» أى ثقافة الاستعداد لمواجهة مختلف الاحتمالات بردود فعل مناسبة لهذه الاحتمالات. وهذا العيب، كما ذكرت فى البداية، ليس عيباً تنفرد به القيادات على مختلف المستويات، وليس عيباً تنفرد به السياسات العامة، بل عيب كامن فى تكويننا كأفراد وكأسر وجماعات، ولذلك يتسرب ذات العيب حتى أعلى المستويات.

إذا ما بدأنا كأشخاص نعرف ماذا نحن فاعلون بعد أن ننتهى من قراءة هذه الجريدة، فالأكيد أننا نضع أقدامنا على أول طريق المعرفة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s