ثقافة الأمل

على الرغم من أن المصريين القدماء، هم من علموا العالم كله ماذا تعنى صناعة المستقبل والغد، عبر آثارهم التى تثبت يوماً بعد يوم أن هناك من فكر ذات يوم فى الخلود وصنع الخلود بأهرامات ومعابد وثقافة مازالت متجذرة ومؤثرة حتى اليوم، إلا أن أحفادهم ـ أحفاد الفراعنة ـ نسوا ذلك، ولم تتعد خططهم سنوات قليلة قادمة، تنتهى أو تتوقف بمجرد رحيل المسؤول.Abdul-Latif-Al-Minawi

وبهذه الطريقة لم تكتمل لنا خطة، أو استراتيجية، حيث تتغير الاستراتيجيات مع قدوم المسؤول، وتنتهى مع رحيله، ولم نشهد أو نر من يضع خطة للمستقبل، وللأمل الذى يواكب تطلعات المواطنين، الذين ارتفع سقف أحلامهم وطموحاتهم من أجل مستقبل أفضل لهم ولأولادهم ولوطنهم.

ولم تكن هذه آفة المسؤولين فقط، بل آفة المجتمع كله، فمن منا يعلم ماذا سيفعل الصيف المقبل؟ كم واحدا بيننا يخطط لإجازته فى نصف العام المقبل؟ هل قرر أى منا إذا كان مسافرا أو زائرا لأهله أو باقيا فى مدينته أو بلدته؟ كم واحدا منا يخرج من بيته مع عائلته يوم إجازته وهو يعلم ماذا سيفعل؟ وما هو مخطط اليوم؟ أظن أن الإجابات عن كل هذه الأسئلة لن تكون مفاجئة‏، لأن الإجابة التى أتوقعها أن معظمنا لا يعلم أو لم يقرر ويخطط لما سوف يفعله‏،‏ بل أظن البعض منا يمكن أن يفاجأ بالأسئلة ذاتها‏.‏ للأسف الشديد فإن وضع نظام محدد وخطط واضحة لخطواتنا المقبلة هو الأمر الأكثر استبعادا‏،‏ هذه مسألة نعانى منها على المستوى الشخصى ومستوى الأفراد‏،‏ ومستوى التعليم ومستوى التربية‏،‏ نترك الأمور والأيام تقودنا ولا نعطى لأنفسنا القدرة أو الرغبة أو الإرادة فى أن نقود نحن الأيام‏،‏ نضع أنفسنا فى موقف رد الفعل فى معظم الحالات والمواقف‏،‏ نترك الأحداث تداهمنا والأيام تمر بنا وتتخطانا ولا نضع مخططا لمواجهة تلك الأحداث أو الاستفادة من الأيام المقبلة قبل أن تأتى‏.

هذه الثقافة هى التى تنتج لنا أياما بلا خطط‏،‏ وأحداثا نجد أنفسنا دائما فى موقف المتفاجئ بها‏،‏ لنكون فى معظم الأحيان فى موقف رد الفعل وليس موقف الفاعل‏،‏ فى موقف من تقوده الأحداث‏،‏ وليس موقف من يسيطر عليها ويدفعها لمصلحته أو يقلل من آثارها السلبية‏،‏ إن كان لها آثار سلبية‏.

ليس ما فات فقط هو كل الصورة‏،‏ ولكن الجانب الآخر منها هو التالى لتعاملنا مع موقف أو أزمة‏،‏ نحن نتفاعل مع الأزمة أو الموقف لحظة مواجهتنا له‏،‏ نتحمس أحيانا‏،‏ نتصرف بشكل صحيح أحيانا نتغلب على الموقف أو نتجاوز الحدث‏،‏ ننجح أحيانا ونفشل أحيانا‏،‏ ولكن الأكيد أن كثيرا منا لا يعرف ما هى الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا بعد ‏،‏ ليس هذا فقط‏،‏ بل إن بعضنا يمكن أن يقرر أن يخرج من بيته ثم يقرر فيما بعد ماذا سيفعل‏،‏ نفتقد هنا ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة اليوم التالى،‏ أو ثقافة وماذا بعد، وهذه مرتبطة بالمسألة الأولى المرتبطة بالتخطيط لمستقبل أيامنا ومواقفنا‏،‏ أو هى الوجه الآخر لها‏.‏ تواجهنا الأزمة‏،‏ أو المشكلة أو الكارثة أو الموقف ونتخذ رد فعل سريعا قد يكون موفقا‏،‏ أو غير موفق دون أن نقرر وماذا بعد‏،‏ أو ماذا سنفعل الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا سيكون رد فعلنا لو أننا فشلنا هنا أو نجحنا‏.‏

أحد إنجازات مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى «مصر المستقبل» هو إعادة ثقافة الأمل، وصناعة المستقبل والغد، فمع النتائج المبشرة التى خرج بها المؤتمر، عادت روح التفاؤل تعم مرة أخرى، وعادت تطلعات المصريين فى غد أفضل للظهور مرة أخرى، لكن اللافت أيضاً أن الدولة هى التى أصبحت تقود هذا الطريق بمؤسساتها، فإذا كان عدد من المشروعات التى تم توقيعها سيستغرق عدداً من السنوات، تستمر بعد رحيل المسؤول، وترتبط فقط باسم الوطن، فإن الدولة نفسها لأول مرة تعلن عن استراتيجية 2030، وهذه لها مغزى آخر كبير. فمعنى أن الدولة تضع استراتيجية، ستنفذ خلال خمس عشرة سنة قادمة، هو أن الدولة بدأت بالفعل تفكر فى المستقبل، وفى استراتيجيات طويلة المدى، وفيما هو أبعد من عمر الحكومة الحالية أو الرئيس الحالى، بدأت تسير فى اتجاه صناعة الأمل والغد للأجيال القادمة، هذا لا يصنع الأمل فقط للمصريين، بل يمنح الثقة للشركات الأجنبية المستثمرة فى أن هذا الوطن يفكر لمدى أبعد، يفكر فى إعادة بناء الوطن، ووضع مصر فى مكانتها العالمية التى تستحقها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s