“مينا” وحد القطرين وأنشأ جهاز الشرطة

توقفت امام تعبير “بوليس” الذي ينتشر في العالم بأشكال نطق مختلفة لكنها جميعا تنتهي الى معنى واحد وهو الشرطة، بحثت عن معنى الكلمة فعرفت انها كلمة لاتينية ذات أصل يوناني وهي تعني المدينة بمعنى المدنية والتحضّر ولا يمكن ازدهار المدنية إلا في ظل الأمن. من هنا نرى العلاقة الوثيقة بين الأمن والرقي الحضاري، فكان جهاز البوليس معنياً بالمحافظة على أمن الدولة ومكتسباتها الحضارية. اما في مصر فمع تولي الخديوي اسماعيل الحكم في سنة 1863م استدعى الضابطين الإيطاليين كارلسيمو والمركيز نيجري وأوكل إليهما مهمة تشكيل قوة نظامية لحفظ الأمن تحل محل طائفة «القواسة» الأتراك غير النظاميين. مع هذه unnamedالطائفة ظهر على السطح مصطلح «البوليس» لأول مرة في تاريخ مصر.
هذا البحث عن اصل الكلمة اغراني للبحث عن تاريخ الشرطة في مصر، فنحن نتعامل معها باعتبارها حقيقة حاضرة ولم نتوقف كثيرا لنعرف عن تاريخ نشأتها. يعتقد البعض أن جهاز الشرطة ارتبط ببدء ما اصطلح على اعتباره نشأة الدولة الحديثة مع وصول محمد علي الى سدة الحكم في مطلع القرن التاسع عشر مع التنظيمات التي أدخلها لتحديث مصر. لكن التاريخ يثبت عكس ذلك، فجهاز الشرطة عرفته مصر مع بدايات الدولة المصرية القديمة عندما وحّد الملك نارمر (المشهور بمينا أي المؤسس) مصر في دولة واحدة يحكمها الفرعون، فظهرت الحاجة الماسة لإدارة تنظم أعمال توزيع مياه النيل بين المصريين، فكان جهاز الشرطة الذي اقتصرت مهمته الأولى على الحرص على توزيع مياه النيل بشكل عادل بين جميع المصريين آنذاك. د. سليم حسن العالم المصري الشهير في مجال المصريات يشير في موسوعته «تاريخ مصر القديمة» الى أن أهمية هذا المنصب دعت الى أن يتولى وزير الفرعون مهام رئيس الشرطة الأعلى في العاصمة، بالإضافة الى المحافظة على المؤسسات العامة، ومتابعة العاملين في إدارة الدولة وعزل من يثبت فساده، بالإضافة الى حراسة الفرعون بتشكيل الحرس الخاص بالفرعون. ومع الوقت أصبح منصب «رئيس الشرطة» من أهم الوظائف في الدولة المصرية. ومن بين مهام الشرطة الفرعونية حماية مقابر الفراعنة حتى لا يتعرض لها لصوص الذهب والمقابر، وربما يكون أبرز ما قامت به الشرطة الفرعونية وسجله التاريخ هو ما قام به رئيس الشرطة «سمحو» من إحباط مؤامرة لاغتيال إخناتون فرعون مصر.
وكانت العلاقة ودية بين الشعب والشرطة في عصر الفراعنة، وهو ما عبر عنه  احد الحكماء في وصيته لابنه والتي اكتشفت في احدى البرديات بأن يكون على وفاق مع رجال الشرطة قائلاً: «اتخذ من شرطي شارعك صديقاً لك ولا تجعله يثور عليك، وأعطه من طرائف بيتك حينما يكون منها في بيتك في أيام العيد، ولا تتغاضى عنه وقت صلاته بل قل له: المديح لك».
على العكس من العلاقة الطيبة التي جمعت بين المصريين والشرطة في عصر الفراعنة ساءت علاقة الشرطة بالمصريين في عهد دولة البطالمة. فقد أصبح رجال الشرطة من الإغريق الغرباء الذين لا همّ لهم إلا جمع المال واحتقار المصريين. إلا أن الوضع أخذ في التغير عند نهاية عصر البطالمة حيث يؤكد د. إبراهيم نصحي في كتابه «مصر في عصر البطالمة» أن البطالمة ومن بعدهم الرومان استعانوا بالمصريين في جهاز الشرطة وهو ما ساعد على عمل هذا الجهاز الحيوي بكفاءة مرة أخرى، وإن كانت قيادة الشرطة ظلت في يد القيادة العليا (دوق مصر) لقوى الاحتلال في مصر إبان الاحتلال الروماني.
مع دخول مصر تحت لواء دولة الإسلام في عام 641م، شهدت مصر تغيرات جذرية في مفهوم نظام الشرطة. فالعرب كانت لهم رؤيتهم الخاصة لعمل الشرطة التي ظهرت لأول مرة تحت مسمى نظام «العسس» في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وفي عهد الخليفة علي بن أبي طالب نظمت الشرطة وأطلق على رئيسها صاحب الشرطة وكان يُختار من علية القوم ومن أهل القوة. وفي مصر الإسلامية كان زكريا بن جهنم بن قيس أول من تولى الشرطة لعمرو بن العاص بعد الفتح الإسلامي، وكان منصب صاحب الشرطة بمثابة نائب الوالي. ولم يتغير وضع الشرطة في العصور الإسلامية اللاحقة إلا في تقسيم الشرطة بين إدارتين إحداهما في القاهرة والأخرى في الفسطاط في العصر الفاطمي، وهو ما ظل متبعاً في عهدي سلاطين الأيوبيين والمماليك حتى الغزو العثماني لمصر في سنة 1516م، لتشهد مصر بعدها حالة من الانفلات الأمني في ظل الصراع بين القوات العثمانية ممثلة في الباشا وقوات الانكشارية والعربان وبقايا أمراء المماليك بزعامة شيخ البلد. وهو النزاع الذي مكّن قائد الغزو الفرنسي بونابرت من احتلال مصر سنة1798، ولم تنقطع حالة الفوضى تلك إلا مع وصول محمد علي الى سدة الحكم في عام 1805م، فبدأ في تنظيم جهاز الشرطة ضمن مشروعه التحديثي وأوكل هذه المهمة لـ»لاظوغلي» كتخدا (وكيل) محمد علي الذي أعاد تنظيم الشرطة في كيان محكم. وتوسعت مهام الشرطة التي بدأت تأخذ طابعها العصري من حفظ الأمن في مختلف مرافق الدولة، وبدأ استحداث بعض الإدارات التابعة لجهاز الشرطة كشرطة الجمارك وشرطة البصاصين (الشرطة السرية) وكانت مهمتهم التنكر في أزياء الباعة الجائلين والتردّد على دور الأعيان الناقمين على السلطة الجديدة ورفع تقارير الى أولي الأمر لاتخاذ اللازم. وهذه الطريقة، كما يذهب د. ناصر الأنصاري في كتابه «تاريخ أنظمة الشرطة في مصر»، ساعدت في كشف بعض المؤامرات التي كانت تحاك في الظلام للانقضاض على محمد علي.
سأقفز هنا الى التاريخ الحديث الى التاريخ الذي قرر المصريون ان يعتبره عيدا للشرطة وهو يرتبط بما يطلق عليها موقعة الإسماعيلية في 25 يناير، 1952 حيث رفضت قوات الشرطة المصرية تسليم أسلحتها وإخلاء مبنى المحافظة للقوات البريطانية. أسفر الاشتباك بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية عن مقتل 50 شرطيًا مصريًا و80 جريحًا. اصبح ذلك التاريخ عيدا للشرطة، وهو اليوم الذي شهد بداية إسقاط النظام الأسبق ومحاولة تدمير منظومة الأمن منذ اربع سنوات.
أردت في هذا اليوم تذكرا لكل ذلك ان استحضر التاريخ القديم والحديث حتى لا ننسى ونحن نقيم أوضاعنا ونعيد بناء ما تهدم كيف يتحكم الوضع السياسي والظرف العام في علاقة الشرطة بالشعب، وكيف يمكن ان تكون تلك العلاقة علاقة بناء او عنصر توتر.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s