متى تختفى وجوه السخط والغضب؟

أذكر تلك الفترة التى كان فيها مسجد الفتح بالقرب من ميدان رمسيس بالقاهرة قيد الإنشاء، وأيضاً قيد الصراع الذى لم يتوقف بين الدولة وتيار الإسلام السياسى، بغض النظر الآن عن الملاحظات حول إدارة هذا الصراع لعقود، ورغم عدم اكتمال إنشاء المسجد فقد كان يُستخدم كقاعدة لتجمع وانطلاق أعضاء الجماعات المنتمية للإسلام السياسى بشكل عام، وكان نقطة انطلاق للمظاهرات، وموقعا شبه ثابت بالقرب منه لتمركز قوات الأمن المركزى.Abdul-Latif-Al-Minawi

ذهبت وقتها، وكان ذلك فى مطلع الثمانينيّات من القرن الماضى، لأعد تحقيقاً صحفياً حول الظاهرة لجريدة «الشرق الأوسط» التى كنت أعمل فيها وقتها. أكثر الانطباعات التى استوقفتنى هى تلك الوجوه الغاضبة، بل شديدة الغضب والسخط، هى وجوه أولئك الرجال والشباب الذين تجمعوا استعداداً للاحتجاج والتظاهر. كان ذلك من ضمن ما كتبت عنه فيما كتبت وقتها، وظلت هذه الصورة من ضمن الصور التى التصقت بذاكرتى، ولم يكن ذلك مجرد مشهد للغضب، ولكنه كان إحساساً يلف المكان، ذلك الإحساس بموجات سلبية تخرج من العيون وتعبيرات الوجوه والأفكار.

كلما ظهر أمامى أحد هؤلاء المنتمين لهذه التيارات يصرخ على المنابر أو على شاشات التليفزيون، أو حتى يتحدث بهدوء ظاهر، ولكن يكمن التشدد والتعصب فيما يقول، فينعكس ذلك على ملامح وجهه، كلما شاهدت أحد هؤلاء قفز إلى ذهنى ذلك المشهد والملامح والأجواء الغاضبة أمام مسجد الفتح. آخر المرات التى تذكرت فيها ذلك المشهد كانت عندما خرج علينا عضو سابق ببرلمان الكويت، يدعى مبارك الدويلة، انتشر اسمه خلال الفترة الأخيرة، عندما هاجم دولة الإمارات وولى عهدها الشيخ محمد بن زايد، باعتباره معاديا للإسلام السُّنى. وكأنهم اختزلوا الإسلام السُّنى فى جماعتهم التى لفظتها الشعوب.

لم أتوقف فقط عند هذا المشهد الهزلى الذى أداه فى حديثه حول هذا الموضوع، فعدت لأقرأ وأسمع ما سبق له أن أدلى به من تصريحات أو كتابات سابقة، فوجدت أمامى أحد الوجوه التى تُذكّر بتلك الوجوه الغاضبة، يحمل قدرا كبيرا من الطاقة السلبية فيما يطرح ويدافع عنه أو يهاجم من أجله. حتى عندما وقف داعما ومؤيدا لجماعة الإخوان ولرجلها الذى احتل موقع الرئاسة كان يعطى نفس الإشارات والأحاسيس السلبية. هذا النائب السابق معروف بأنه من العناصر المتشددة، فهو الذى سبق أن قال: «إن الإخوان هم أمل الأمة، وإن سيد قطب هو خير من أنجبته أرحام نساء مصر، وإن حسن البنا هو الإمام المجدد العظيم». أيضا يرى أن أمريكا ليست المسؤولة عن صناعة الإرهاب، وإنها ترعى الإسلام الوسطى وتدعمه، كما يتضح من تصريحاته وأحاديثه عن الولايات المتحدة أنه يتمتع بعلاقات جيدة مع الإدارة الأمريكية أو أحد أجنحتها.

من يعد ليراجع مواقف عضو البرلمان السابق فسيكتشف إلى أى مدى يسكن عقل ونفس هذا العضو السابق موقف سلبى تجاه اختيارات الشعب المصرى التى انحاز لها الأشقاء فى الإمارات، بقيادة الشيخ محمد بن زايد. لقد اختاروا الانحياز بلا قيد أو شرط لاختيار شعب، وتوحدوا معه بهدف نزع خطر التطرّف من المنطقة وإخفاء الوجوه الغاضبة من على الساحة. إذن فإن موقف الشيخ محمد، سواء الداعم لاختيار المصريين أو الهادف إلى تحجيم أثر هذه الجماعات، لا يعبر عن موقف شخصى أو منفرد، وإنما هو تعبير عن موقف كل الشعب الإماراتى وحكام وقادة الإمارات جميعا. تختار الشعوب والقيادات كيف تدخل التاريخ، وقد اختار الإخوة فى الإمارات وقياداتها أن يكونوا فى ذلك مع أشقائهم المصريين فى تدعيم مفهوم اختيار الشعوب وفى محاصرة التطرّف الذى يقود إلى الإرهاب.

كما يقال الصراخ على قدر الألم، وصراخ النائب السابق مفهوم ومتوقع، فهو يعبّر عن أزمة تواجه إخوان الكويت بعد انحسار شعبيتهم بعد تحطيم أصنامهم بسقوط الإخوان فى مصر، كذلك جاء فوز قائد السبسى برئاسة تونس وتراجع شعبية «النهضة» ضربة إضافية لهم.

مثل هذه الوجوه الغاضبة لَن تزيد المؤمنين بحق الشعوب فى الاختيار ومحاصرة التطرّف إلا مزيداً من الإصرار على الاستمرار.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s