البطولة والحكمة بأثر رجعي

احد أدوات الانسان في التكيف مع واقعه الخيال، نعم، عندما يعجز إنسان عن مواجهة تحديات تواجهه فانه يلجأ الى خلق واقع اخر في خياله، في هذا الواقع الخيالي ينتصر على تحدياته ويحقق طموحاته وينتشي بقوته الوهمية ويحل مشكلته. اعتقد ان هذه الحالة من الهروب هي جزء من تكوين النفس البشرية بشكل او باخر، بصورة ادق، بدرجة او بأخرى. اذا ما زادت هذه الدرجة عن مستوى معين تتحول الى حالة مرضية. واكثر الأمثلة إيضاحا لهذه الحالة تبدأ مع الانسان في مرحلة الطفولة، مثلا اذا ما تعرض الطفل للاعتداء عليه بالضرب من طفل اخر اكبر منه او أقوى منه فانه يعوض ذلك بخيال يعيشه وهو يضرب من ضربه، بل ويختلي كيف انه وجه له ضربات قوية وإسقاطه أرضا.10374079_655605337895219_6766773188295941436_n يغمض الطفل عينيه ويعيش هذا الخيال بل ويتفاعل معه جسديا بحركات يديه وقدميه فيشعر بالارتياح ويتخلص من احساس القهر حتى لو كان ذلك في خياله. تتحول هذه الحالة الى ظاهرة مرضية اذا ما صدق خياله وبدأ يصدر حكايته المتخيلة للآخرين على انها حقيقة، وتزداد حدة الحالة عندما يصدق هو نفسه ويعيش حالة البطولة الوهمية، وينذر هذا بان الرجل القادم من هذا الطفل هو رجل مريض نفسيا يحل مشكلته بالعيش في الأوهام ليخلق لنفسه واقعا مزيفا بديلا عن الواقع الحقيقي الذي يعاني فيه.
للأسف ان كثيرين ممن يحيطوا بنا يعانون من هذا المرض، وللأسف ايضا فان التغيرات الاخيرة والتي اتسمت بانها تغيرات حادة شهدها مجتمعنا سمحت لهؤلاء المرضى ان يطلقوا علينا أوهامهم باعتبارها حقائق، ويصدرون لنا حكمتهم التي لم تكن موجودة يوما، لكن كل هذا بأثر رجعي. نكتشف اليوم كيف ان رجالا ونساء احتلوا مواقع النخبة وتشكيل الرأي العام مصابون بهذا المرض النفسي الخطير، الجديد هنا هو انه إصابة اختيارية، بمعنى ان هؤلاء اكتشفوا انهم كي يعيشوا في الوسط والمستوى ودائرة الضوء التي يريدونها فان الطريق لذلك هو ادعاء البطولة والحكمة بأثر رجعي. فسنكتشف من كان واقفاً موقف المتسول لنظرة رضا من مسؤول سابق يخرج اليوم ليتحدث عن بطولاته وصولاته وجولاته في مجابهة هذا المسؤول، ويخرج اخر ليدعي انه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين الذين لم يسمعوا له ولحكمته فدفعوا الثمن بخروجهم المرير. ايضا أولئك الذين فيما يبدو ان نسبهم يعود في أصوله الى “زرقاء اليمامة” فامتلكوا القدرة على رؤية القادم، فيخرج احدهم ليتحدث اليوم عن انه كيف رأى مستقبل مصر في ظل الاخوان منذ الجمعة التي خطب فيها القرضاوي في ميدان التحرير، وحذر كزرقاء اليمامة من القادم لكن الأغبياء لم يسمعوا منه. هذه هي نماذج الهروب الطفولي الى الخيال للانتصار على احباط الواقع، لكنه كما ذكرت يتحول الى مرض اذا ما سيطر على صاحبه، وهو جريمة اذا اختار شخصا ان يعيش هذا المرض بإرادته ليدعي الحكمة والبطولة بأثر رجعي.
المشكلة التي نعانيها ان أمثال هؤلاء ملأوا الساحة، بل وتمكن بعضهم من ان يفرض نفسه في دوائر متعددة من دوائر تشكيل الرأي العام والتأثير في صنع القرار، ويحاول بعضهم ان يجد لنفسه مكاناً جديدا تحت الضوء. ان سيطرة مثل هذه الشخصيات على اي مساحات تأثير في المجتمع او الادارة لن تصب الا بالسالب ضد مصلحة هذا الوطن.
قد ينجح الزمن لفترة طويلة في أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين ، ومع طول الزمن يبدو الأمر وكأنه حقيقة ، وتبدو هذه الأقنعة لوهلة كأنها وجوه حقيقية، وينجح هؤلاء الحكماء “في غفلة من الزمن” والأبطال “من ورق” في يحدثنا ضجة ويحالوا مقدمة الصورة، ويطرحون انفسهم باعتبارهم المخلصين والمخلصين -بكسر اللام مرة وتشديدها مرة اخرى- معتمدين في ذلك على ضعف ذاكرة الناس، الانسان طبعه النسيان. ومن الطبيعي ان يصاب بالإحباط من يفهم هذه الحالة ويرى خطورتها على المجتمع والدولة، لكن يظل الرهان والأمل في القاعدة التي تقول انه في النهاية لا يصح الا الصحيح، ونظل نعيش على الأمل في ان نرى هذا الصحيح، وحتى يأتي ويصح الصحيح لا ينبغي ان نتوقف عن كشف البطولات الوهمية والحكمة الغائبة.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s