مطب لكل مواطن، ام دولة للجميع؟ 

unnamed (1)فجأة وفي منتصف الطريق وبينما تقود سيارتك تفاجأ بمطب صناعي لا تملك الوقت لتهدأ السيارة فيقفز في الهواء، وقبل ان تفيق من صدمة المطب الأول يفاجئك المطب الثاني، هكذا معظم طرقنا في المدن وبين المدن، كل من يريد ان يبني مطبا ظنا منه انه يحميه يبادر هو ببنائه دون الرجوع لاحد، ودون ان يوقفه احد او تحاسبه جهة رسمية. هذه الصورة التي قد يراها البعض بسيطة اعتبرتها منذ سنوات طويلة دلالة على تآكل هيبة الدولة، عندما يقرر الأفراد ان يحلوا هم محل الدولة ولا يوقفهم احد هنا بداية سقوط الهيبة والسلطة والقدرة على الفعل من الطرف المفترض فيه انه الأقوى والقادر على القرار والفعل وهو الدولة. كانت هذه مقدمات رصدتها وغيرها باعتبارها علامات خطيرة على ما قد نواجهه يوما من انهيار تم للهيبة.
عانينا جميعا من حالة الانهيار شبه التام لحضور الدولة وسيطرتها وسقوط هيبتها طوال الأعوام الاخيرة، منذ الثامن والعشرين من يناير البداية الحقيقية لهذا الانهيار الذي كانت مقدماته قد بدأت قبلها بسنوات، وكان سقوط النظام وقتها إعلانا عن هذا الانهيار. شهدت مصر وشهد المصريون أياما وليالي طويلة أظن ان وصفها بالسواد غير كافي، فقدت مصر ما عرف عنها بانها بلد الأمن والأمان، القاهرة التي كانت لا تنام اصبح أهلها لا يناموا خوفا وهم في بيوتهم او على أبنائهم وهم خارج البيوت. حالة الشارع كانت فوضى عارمة. لا اتجاوز ان وجهت أصابع الاتهام إلى الطرف الثالث الذي عرفناه الان جميعا والذي صنع هذه الحالة ودفع لها واستفاد منها، كانت هناك أفعال يدفع لها دفعا من اجل التاكيد على إسقاط هيبة الدولة والترويج لحالة البلطجة ولي الأذرع. نجح الطرف الثالث في السيطرة على الأجواء، حتى عندما وصلوا إلى سدة الحكم ظلوا يمارسون سلوك الفوضى من وقت لآخر وذلك في إطار معركتهم مع مؤسسات الدولة المصرية التي رفضت الانصياع لهم او حاولت مقاومة محاولاتهم للاستحواذ والسيطرة. لذلك شهدنا سلوكا متفردا في البلطجة في التعبير عن المواقف، فلا باس من حصار المحكمة الدستورية، ولا مانع من اقتحام قاعات المحاكم والاعتداء على القضاة وتهديد المعارضين ومحاصرة مدينة الاعلام وتشجيع الاعتداء على رجال الشرطة. كل هذا خلق جوا من انتشار البلطجة والفوضى والجريمة، فإذا كان النظام الحاكم قرر استخدام الأساليب الإجرامية لتحقيق ما يعتقده أهدافه فان هذه الأجواء مثالية لانتشار الجريمة والفوضى، فليس هناك من سيحاسب، وهكذا تحولت مصر إلى مدن يسكن فيها الخوف والقلق والتوتر.
الأمر المثير للدهشة والإعجاب ان مصر منذ انتفاضة شعبها في الثلاثين من يونيو الماضي والتخلص من نظام الجماعة فان الملحوظة الرئيسية هي انخفاض معدلات الجريمة بشكل كبير، قد لا تكون هناك أرقام دقيقة حاليا لكن الملحوظة العامة ان هناك تراجعا واضحا في شكل ونوع الجريمة في الفترة التالية مباشرة، والدليل الآخر على ذلك هي تلك الحالة من الشعور بالامان الذي بدأنا جميعا نشعر به في حركتنا وحركة أبنائنا، فلم يعد ذلك الخوف وحالة الرعب أثناء الحركة او حتى مع الوجود في البيوت. الآن أظن ان قدرا كبيرا من الإحساس بالامان قد عاد على الرغم من انه لا يمكن القول بان أجهزة الأمن استعادت قوتها الكاملة بعد، لكن الإحساس العام الذي ملا المصريين بان بلدهم عادت اليهم قد توازن مع شعور بن الأمور باتت أكثر آمنا مع اختفاء الجماعة من موقع السلطة، وبعد ان أتى الشعب بنظامه ورئيسه الذي يريد.
لكن ، مرة أخرى لكن، لا يبدو ان الجماعة وتوابعها تريد للدولة ان تعود، ويصرون على تحدي هيبتها وقوتها بأي شكل، بل بكل الأشكال، وهذا الأمر يتسبب في خسارتهم للبقية الباقية من تعاطف معهم في الشارع، وهذا ليس قضيتنا اليوم، فإنهم بهذا السلوك إنما يحصنون المصريين ضد تأثيرهم لعقود، لكن ما يهم هنا الآن هو تلك الفوضى التي تنتشر بين الناس، تلك الحالة من تحدي هيبة الدولة والقانون.
عندما أطالب اليوم بتخل حاسم لفرض القانون وإعادة النظام فانا أظن أنني اعبر عن رأي قطاع كبير من المصريين، لن أبالغ إذا قلت انه القطاع الأعظم. حالة البلطجة وقطع الطرق وترهيب المواطنين يجب ان تتوقف فورا وباي ثمن. لقد بدأت مصر مشوارها لوضع أسس الدولة المدنية الحديثة، وخطوة مهمة الآن للوصول إلى ذلك الهدف هو اتخاذ استعادة دولة القانون التي تضمن للمصريين العيش بأمان. وإذا لم تستطع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها النجاح في ترسيخ استعادة الهيبة فان هذا طريق لن يقودنا إلا إلى طريق لا نتمناه من الفوضى. هذا اختبار يتطلب موقفا قويا واضحا باستخدام كل الأساليب القانونية لحماية الوطن والمواطن.
لن استطيع ان ألوم سائق ميكروبات يقف وسط الطريق، ولا املك ان اطلب من بائع متجول ان يترك نهر الطريق ولا استطيع ان أحاسب متجاوز للقانون إذا لم تقم الدولة بدورها الرئيسي لاستعادة الهيبة. وهذا مطلب الناس، بل لنقل أغلبية الناس.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s