إلى السادة المسؤولين: لا وقت لـ«الفنكوش»

هناك مواقف يمكن أن تثير الضحك فى وقت وظروف معينة، بينما تثير الألم والمرارة فى ظل أوضاع وظروف مغايرة. كان يمكن أن يثير موقف أو تصريح لمسؤول تهكم وسخرية الرأى العام ويمر، ولكن ذات الموقف أو التصريح يتحول إلى تفجير حالة الغضب لدى الناس فى ظرف يشعرون فيه بالخطر وبأهمية التعامل الجدى مع الواقع. نحن فى مصر نعيش الحالة الثانية، إحساسنا بأن الوقت ليس فى صالحنا وأن ما ينبغى علينا عمله يحتاج إلى قدر لا محدود من الجدية، لذلك فإن ما قد يكون مثيرا للضحك قديما والقدرة على تجاوز تجاوزات مسؤولين، يدفعهم طموحهم الشخصى أو أضواء الإعلام المبهرة، هو أمر غير وارد فى هذه المرحلة.Abdul-Latif-Al-Minawi

تحتاج مصر إلى إطلاق مشروعات عملاقة جادة بهدف حملها من عثرتها، يحلو للكثيرين وصف هذه المشروعات بالقومية، ولا مانع فى هذا، بعد أن ظل الحلم العام لسنوات طويلة يبحث عن مشروع قومى يلتف حوله الناس. من يقول هذا يقوله وفى ذهنه تحضر صورة السد العالى الذى يعتبر النموذج لمثل هذه المشروعات فى زمنه، وحقق وقتها الهدف منه. ويولى الرئيس السيسى أولوية خاصة وواضحة لهذه المشروعات العملاقة لاقتناعه بأن السبيل لعودة مصر هو العمل الجاد والتفكير بشكل غير تقليدى لمواجهة التحديات الكبيرة التى تواجهها مصر.

لكن هناك مع الأسف من المسؤولين من اعتقد أنه لكى يكون قريبا من الرئيس ومن دائرة الضوء فإن عليه أن «يرش» الأرض حديثا عن مشروعات قومية وأخرى عملاقة، وعن مستثمرين دول وأشخاص «يتقاتلون» من أجل المشاركة فى هذه المشروعات، ويأمل المسؤول هنا أن يلقى حديثه هذا استقبالاً وصدى جيداً لدى القيادة، وأن يفتح له «النوافذ» الإعلامية ليغرق الرأى العام كلاماً على شاكلة «.. قطار التنمية انطلق فى مصر ليصل بها لأن تكون قطب النمو فى المنطقة والعالم، ولا تستطيع قوة على وجهة الأرض أو كائنًا من كان أن يوقفه»، ولست أدرى ما هى العلاقة بالضبط بين محاولة المسؤول الترويج لـ«قومية» مشروع واقتصادياته وبين هذا النوع من اللغو الذى يبدو تعبيرا عن رغبة تسلق أكثر منه عملاً جاداً. واستمراراً فى محاولة شرح ما أقصد فإننى سأذكر نموذجا آخر لخبر لم أستطع أن أتفاعل معه بالضحك والسخرية، رغم أنه يمتلك العناصر الكفيلة بذلك، ولكنه تسبب فى حالة غضب مكتوم من مثل هذه المواقف من أمثال هذا المسؤول. أنا لن أذكر من هو هذا المسؤول رغم أنه سهل جداً معرفته، لأن قضيتى ليست الشخص ولكن السلوك الذى أشرت إليه فى البداية.

فقد صرح الدكتور المسؤول «بأن الحكومة الحالية بصدد عمل مشروع (سفينة بها سكة حديد)- لاحظوا هنا سفينة بها سكة حديد- للربط بين ميناء دمياط وإيطاليا، لنقل البضائع والمنتجات، بتكاليف أقل، كما أنه سيكون هناك خط للربط بين دمياط وباقى المحافظات حتى سفاجا، لتوزيع المنتجات البضائع من وسط أوروبا لدول الخليج، وباقى دول العام». لم يذكر لنا السيد المسؤول كيف سيتحول المركب إلى قطار؟ وهل هو مركب برمائى؟ أم أنه يحمل قطاراً ذا «جناحين» ليقفز بهما إلى خطوط السكة الحديد؟ وهل سيستعين فى ذلك بمخرج ومنفذى سلسلة الأفلام الشهيرة «ترانسفورمرز» أو «المتحولون»؟؟ هذه النوعية من التصريحات مكانها محاولة الدخول إلى موسوعة «جينيس» الغرائب والطرائف وليس مكانها مجتمع مازال يجاهد من أجل أن يحسّن مستوى السكك الحديد ليصل ركابه بأمان وهم على قيد الحياة!

هذه النوعية من المشرِوعات مكانها سيناريوهات الأفلام الكوميدية، مثل ذلك «الفنكوش» الشهير لعادل إمام، ولكن ليس مكانه أوساط مجتمع فى تحدٍ ويحاول أن ينجح فيه. قد تكون مسألة القطار المركب صحيحة، ولكنها ليست ما ينتظره الناس فى هذه المرحلة. وسوف أؤجل الحديث هنا عن ذلك المشروع الذى يطاردنا فى كل وسائل الإعلام عن حل أزمة الطاقة بإعادة تدوير زيت الطعام المستخدم!!

ملء الساحة بالضجيج حول مشروعات «عملاقة» دون وجود معلومات ودراسات وإمكانيات تمويل حقيقية وممكنة هو شكل من أشكال التحايل على الرأى العام وعلى الرئيس الذى وثق فيه الناس وحملوه المسؤولية، وحسنا فعل الرئيس عندما ألغى وضع حجر الأساس لمشروع تردد أنه من تلك النوعية من المشروعات. وحسناً فعل عندما طالب المسؤولين بأن يأتوا جاهزين بالدراسات العلمية والتمويل الجاد قبل أن يتحدثوا عن مشروعات «عملاقة».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s