قانون «حماية الثورتين» بقرة مقدسة لسنا فى حاجة لها

الاحترام والتبجيل اللذان يصلان إلى حد التقديس لدى جزء كبير من الهندوس الهنود- خصوصاً البسطاء منهم- للأبقار لهما جذور عميقة فى عقيدتهم والتعاليم الهندوسية. وفى الواقع فإن معظم الديانات، والمعتقدات القديمة، امتلكت بدرجات متفاوتة رموزاً وأساطير مقدسة مشابهة، مثل النار والشمس والأنهار والأشجار والحيوانات وغيرها. معظم تلك الرموز والإشارات والأساطير جرى تجاوزها فى معظمها نتيجة تطور المجتمعات الإنسانية بفعل تطور المعرفة والعلم واكتساب الحداثة والعقلانية والحضارة عموماً، غير أن المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على حد سواء مازالت، بدرجات متفاوتة، تحتضن وتستحضر الكثير من مراحلها البدائية، وتبقى مجتمعاتنا فى المقدمة من حيث احتفاؤها بـ«الأبقار المقدسة» من كل لون وصنف. وأظن أن جزءاً لا يستهان به من مشكلاتنا يعود إلى تلك الحالة من التقديس لأفكار أو تصورات يعجز بعضنا عن التعامل معها بعقلانية، فيحدث ما نشاهد من صدامات تصل إلى حد القتل، ويبدو هذا فى الهيجان الدينى، والاستقطاب الطائفى والمذهبى والسياسى الحاد، وتفشى العنف والإرهاب.. لا مجال هناك للعقل والعقلانية والحلول التوافقية.hqdefault

يحضرنى هذا الحديث عن هذه الظاهرة بمناسبة تحركنا من أجل خلق بقرة مقدسة جديدة بالتفكير فى إصدار تشريع لحماية «ثورتى» 25 يناير و30 يونيو من أى إساءة تتعرض لها «الثورتان». مصادر قالت إن القانون سيتضمن عقوبات رادعة لمن يقوم بالإساءة إلى كل من «الثورتين»، وذلك بالاستناد إلى الدستور المصرى الصادر فى شهر يناير الماضى باعتبار 25 يناير و30 يونيو «ثورتين». وهنا أنتهز الفرصة لأعلن رفضى مثل هذا التشريع، ليس من منطلق الاعتداء على حرية التعبير وتقييدها، أو لأن فى إصدار هذا التشريع استفزازاً لقطاع عريض من المواطنين فقط، ولكن أرفض هذا التشريع أساساً لأنه يتناقض مع العقلانية المفترض أن تسود أفعالنا وعلاقاتنا فى المجتمع.

الرئيس السيسى الذى عرف عنه ارتباطه وتعبيره عن نبض الناس لا أتمنى أن يتأثر ببعض الأصوات الزاعقة، والتى تطالب بحماية ما يعتقدون بتقييد قانونى يجرم انتقاد ما يعتقدون، الثورات هى فعل اجتماعى يستمر أو يندحر وفقاً لتطور المجتمعات وتفاعلها معه سلباً أو إيجاباً، وليست- أى الثورات- كائناً غير مكتمل النمو يحتاج أن يوضع فى «حضانة» لحين اكتمال نموه. فى حدود معرفتى المتواضعة لم يصدر قانون يجرّم مناقشة الثورات على مدار التاريخ، مازالت الثورة الفرنسية محل جدل، وهكذا كل التغيرات الاجتماعية الأخرى، لكن ما يتحصن بقانون هو تلك الأفكار التى لن يبقى لها وجود فى حال مواجهة الواقع مثل قوانين معاداة السامية والقوانين المرتبطة بالهولوكوست. الضعيف يحتاج إلى تدخل خارجى لتدعيمه وتقويته، والتغيرات الاجتماعية الأصيلة والحقيقية هى تعبير عن إرادة حقيقية هى كفيلة بالاستمرار والنمو الطبيعى.

لو دخلنا ذلك النفق فلا خروج منه، سوف ندفع ثمن الغرق فى التنابز والتناحر والتجريم. إذا ما صدر مثل هذا القانون فمن حق من يصفهم الآخرون بأنهم «عبيد البيادة» بأن يطالبوا هم بقانون يحميهم ويحمى اختيارهم السياسى، ومن حق كل من يؤمن بفكرة أو تيار أو توجه أن يصرخ زاعقاً طالباً الحماية. الرضوخ للأصوات العالية لن يجنى من يتنازل لها إلا خسارة الجسد الحقيقى للأمة.

تابعت ردود فعل القراء على عدد كبير من المواقع حول إصدار مثل هذا التشريع، لم أحتج إلى القيام بمجهود كبير لاكتشاف أن الغالبية الكاسحة ضد هذه الفكرة، قرأت العديد من التعليقات وتوقفت أمام تعليق هذا جزء منه: «هذا معناه أنك إذا قلت: (25 يناير مؤامرة) هاتدخل السجن، وإذا قلت إن 30 يونيو مش ثورة هاتدخل السجن. طيب ما نريح نفسنا وندخل الشعب كله السجن. سيادة الرئيس قبل ما تطلع قانون يرضى بعض الشباب اليسارى أو الفوضوى أو حتى الطاهر، فعّل قانون المرور اللى ماحدش قادر يقول بم لعربيات النقل اللى ماشية تقتل فى الناس على الطرق. سيادة الرئيس طبق قانون الإرهاب على اللى بيقتلوا أولادنا ليل نهار. طبق قانون محاربة الفساد المستشرى فى البلد للنخاع. سيادة الرئيس بدل ماترضى مجموعة شباب، ارضى مصر العجوزة اللى بتموت بحزمة قوانين عاجلة لجلب الاستثمار وتشغيل الشباب (…) سيادة الرئيس فكر فى مصر الـ 90 مليوناً وبطل تفكر فى صوت بعض الشباب العالى اللى هايفضل عالى كأنك فى صالة ديسكو. (لازم نختار): إما صالة الديسكو وإما مصر».. هذا جزء من تعليق يعبر عن التوجه الغالب بين المصريين الذين يشعر الرئيس بنبضهم ويتفاعل معه.

أعلم أن الدافع وراء التفكير فى هذا القانون هو حسم حالة الاستقطاب الحادة عالية الصوت، لكنى أرى أن هذه الحالة لن تنتهى إلا بالتقدم إلى الأمام. المطلوب اليوم قانون ينظر للأمام ولا ينجذب إلى الخلف والاختلاف. تنفيذ الشعار الذى كان حاضراً فى حملة الرئيس الانتخابية هو السبيل «الاستقرار، الأمان، الأمل»، إذا ما حضر الأمل فسوف ينسحب الاختلاف والاستقطاب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s