المصلحة المشتركة

إذا ما سألت مسؤولاً- أى مسؤول- عن ملف العلاقات الأفريقية، هل قصرت مصر فى تعاملها مع أفريقيا خلال العقود الأخيرة؟ فإن الإجابة الدبلوماسية سوف تكون بالنفى القاطع، وأن علاقات مصر الأفريقية فى أحسن مستوياتها، ويعيد التذكير بالمجالات السياسية الحيوية لمصر: العربية والأفريقية والإسلامية ودول عدم الانحياز، لكن الحقيقة هى أن هذه الإجابة مجرد إجابة دبلوماسية لا تعكس الحقيقة التى تقول إننا بالفعل أهملنا الملف الأفريقى لفترة طويلة، وجزء من الثمن الذى ندفعه الآن لإهمال هذا الملف هو ذلك الجدل والشد والجذب الحادث بين مصر ودول حوض النيل.Abdul-Latif-Al-Minawi

بدأت مصر منذ فترة الاهتمام الإيجابى بملف دول حوض النيل، وتبدّى هذا واضحا من خلال اهتمام مستويات عليا من المسؤولين بالعلاقات بين مصر وهذه الدول، وبدأنا نرى لأول مرة منذ فترة طويلة زيارات لمسؤولين مصريين على مستوى رئيس الوزراء لهذه الدول، وهو أمر إيجابى بالـتأكيد حتى لو كان متأخرا.

دول حوض النيل تمثل أهمية استراتيجية قصوى لمصر، وهذا يضع على عاتق مصر أهمية التعامل مع هذه الدول بمنظور استراتيجى شامل، وليس مجرد علاقات ثنائية، وأن يكون أساس هذه العلاقات ربط المصالح المشتركة لدول حوض النيل العشر بمعنى تعظيم الاستفادة لكل الدول من مياه النيل، وإقامة المشروعات التى تحقق هذه الاستفادة.

هذا يعنى أن تخرج مصر من مجرد علاقات ثنائية كما ذكرت، ومشاركة فى مياه النيل واتفاقيات تنظمها، إلى مفهوم أكثر شمولا، يتضمن المجالات المختلفة وإيجاد آليات تعاون مع كل دولة على حدة، وآليات تعاون بين دول الحوض مجتمعة.

المعوقات كثيرة فى العلاقات المصرية مع دول حوض النيل: انخفاض التبادل التجارى، عدم وجود خطوط ملاحية بحرية أو جوية منتظمة، إلغاء بعض رحلات مصر للطيران إلى عدد من هذه الدول، عدم وجود سكك حديد، ارتفاع أسعار الشحن، الأهم من ذلك عدم وجود إعلام كاف عن الحضور المصرى فى هذه الدول.

صحيح أن مياه النيل وحقوق مصر هى أمر غير قابل للنقاش، لكن تأكيده يتأتى عبر سياسة واعية، تُمكن من احتواء أى مشكلات وتُبنى بشكل استراتيجى، ولن يكون الحل بالشعارات الصارخة.

لذا فإن المدخل الصحيح هو المدخل الذى اختارته مصر- حتى كان اختيارا متأخرا- وهو مدخل التعاون فى نطاق التنمية المشتركة، موقف يصحح الأوضاع الحالية لدول تعانى من ضعف فى التنمية، ممزوج بإحساس بعدم الاهتمام والاستغلال، حتى لو لم يكن إحساساً صحيحاً، ولكن موجود، وبالتالى ينبغى التعامل معه.

فى إطار ما تقدم، من المتوقع أن تكون هناك حركة مصرية تضع فى اعتبارها المدخل الذى أشرنا إليه، والذى يعتمد على الترويج لمفهوم التعاون فى مواجهة الاختلاف، والشراكة فى مشروعات مختلفة، وأن تتحرك الدبلوماسية المصرية فى اتجاه بناء علاقات متوازنة وقوية مع الأطراف الأخرى، ودفع حركة الاستثمار، وتغليب المصلحة المشتركة بين الأطراف المختلفة.

وكما سبق أن ذكرت فى مقال سابق، فإن المداخل الخاطئة تؤدى إلى نتائج بالتأكيد خاطئة، هذا المنطق صالح للتطبيق على أى قضية خاصة، أو عامة، اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، والقصور هنا بالداخل هو السياق الذى نقرر من البداية التعامل به، فإذا كان المدخل للتعاطى صدامياً كانت النتيجة بالتأكيد ابنة شرعية لهذا المدخل الصدامى، والأمر كذلك لأى مدخل مغاير. وأظن أن مصر فى هذه المرحلة قد تبنت مدخلا صحيحا فى التعامل مع بعض القضايا الأفريقية، أتمنى أن يكون تعبيرا عن توجه مستمر فى المرحلة المقبلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s