دماء على الأسفلت

الطريق غير مستو، وأخلاق من يقود السيارات غير منضبطة، لا توجد علامات حياة لوجود أمنى رادع على الطرق والكبارى، ولو كان هناك تواجد فهو تواجد مادى بلا حياة، أو تواجد مادى بغرض المادة، تمر السيارات سريعا، تتقاطع، تتسابق، هذه سيارة نقل كبيرة تسير فى يمين الطريق ويقرر قائدها أن ينحرف فجأة إلى يساره دون إنذار لأنه يريد أن يكسب السباق مع السيارة التى أمامه، وهذا سائق آخر قرر أن يسكن وسط الطريق فيسد اليمين واليسار وعلى من يريد أن يمر أن يجد لنفسه طريقا، وهذا شاب يسابق عمره بسيارة جديدة لامعة، وهذه فتاة منهمكة فى حديث عبر هاتفها الجوال وتتفاعل معها سيارتها التى تقودها يمينا ويسارا، اندفاعا، وتوقفا حسب أجواء المكالمة التى تجريها عبر هاتفها الجوال، وهذه سيارة نصف نقل قرر سائقها أن يختصر الطريق فيقرر أن يسلك طريقا أقصر حتى لو كان عكسيا، وهذه سيارة شرطة يقودها الضابط يجلس بجواره العسكرى مستسلما منكمشا وتسير السيارة كيفما أراد لها قائدها « المتباهى» بذاته، وهذا توك توك قرر الصبى الذى يقوده أن يتحدى كل من حوله ويثبت أنه موجود على الطريق بحركات صبيانية ليقول إنه هنا، وهذه عربة كارو تحمل الزبالة وحصانها أو حمارها يجرجر أرجله فى محاولة للحركة إلى الأمام يقاوم بها حالة الهزال التى يعانيها هو وصاحبه، ومع كل هؤلاء يناطح ملوك سيارات الميكروباص أنفسهم وكل من حولهم والأبواب مفتوحة ينادى كل على وجهته، ويتقافز حول الجميع موتوسيكلات توصيل الطلبات إلى المنازل فى تحد للزمن وقدرات الآلات التى يركبونها، ويجمع كل هؤلاء طرق لا ينافسها فى قدرتها على تحريك من يركبون هذه السيارات الألعاب الملاهى الخطرة.

فى لحظة ما وسط هذه الصورة العشوائية المتخبطة يحدث التصادم، وتسيل الدماء على الأسفلت – أو ما تبقى منه – وتهدأ الحركة العشوائية العصبية أمام الحادث أو تتجمد، والكل مستاء من الفوضى ومن غياب الحسم والقانون والردع، ومن عدم الالتزام، ومن السرعة، ومن التجاوزات، ويلقى الجميع اللوم على البلد الذى يحدث فيه مثل هذه الحوادث، ويحملون ضحايا التصادم فى طريقهم إلى مثواهم الأخير أو إلى المستشفيات، ويجمعون آثار الحادث على جانب الطريق، ثم ينطلق كل واحد منهم ناسيا ما حدث فى تلك الحركة ال000_0_443079782عشوائية العصبية المستهترة المتجاوزة، كل يقود بطريقته استعدادا للتصادم المقبل.

حوادث السير على الطرق ترجع لنقص الرقابة والحملات المرورية على الطرق السريعة، بما توفره من رقابة وضبط وردع، خاصة بعد 25 يناير، مما أسهم فى حالة انفلات مرورى وتجاوز للسرعات المقررة لجميع السيارات، وعدم الالتزام بارتداء أحزمة الأمان، وتوقف حملات «تحليل الدم» لسائقى النقل للكشف عن تعاطى المواد المخدرة، وهى حملات كانت يومية، وفى الحال يتم ضبط السائق وإحالته للنيابة العامة التى تأمر بحبسه، ثم محاكمته إذا كان ناتج التحليل إيجابياً للمخدرات وتسليم السيارة لصاحبها، إذ إن عددا كبيرا من سائقى النقل يتعاطون المخدرات للأسف، ويتسببون بوقوع نسبة كبيرة من حوادث الطرق، وكانت هذه الحملات رادعاً لهم تمنعهم من التعاطى وتجبرهم على الالتزام بالحمولات القانونية، وغير ذلك من عوامل الأمان، بما يقلل فى النهاية من الحوادث الناجمة عن سيارات النقل. كذلك غياب العلامات الإرشادية والإنارة وسوء حالة الطرق لعدم الاهتمام بصيانتها، وإصلاح المنحنيات والنتوءات التى تحدث بها نتيجة حركة المرور الكثيفة عليها، وهذا بخلاف الرعونة لبعض قائدى المركبات الخاصة واستخدام الموبايل، وعدم الانصياع لقواعد المرور، وغياب الوعى لدى أصحاب سيارات الأجرة بأهمية الصيانة لها، ومراعاة حالة الإطارات بها، وهذا كله يضيف عوامل مساعدة للحوادث.

اختلفت تقديرات عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق، قدرها البعض بحوالى ثمانية آلاف سنويا، ووصل بها البعض الآخر إلى 12 ألف سنويا، لكن المتفق عليه أن مصر تحتل المرتبة الأولى عالميًا فى حوادث الطرق، بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية. وقدرت خسائر الاقتصاد المصرى من وراء حوادث الطرق بنحو 17 مليار جنيه سنويا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s