صناعة الإرهاب فن

قبل 5 سنوات، تحديداً فى صيف 2009، أطلقت القوات الأمريكية سراح زعيم تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام (داعش) أبوبكر البغدادى، لأسباب مازالت مجهولة حتى الآن، من معتقل بوكا جنوب العراق، لكن البغدادى أثناء مغادرته السجن، التفت إلى الجنرال الأمريكى الذى صاحبه إلى باب الخروج، ثم إلى الجنود الأمريكيين المتراصين، وقال: أراكم فى نيويورك يا شباب.

الحكاية التى نقلتها «ديلى بيست» الأمريكية عن الجنرال كينيث كينغ، لا تكشف لماذا أطلقت أمريكا سراح البغدادى الذى كان معتقلاً ما بين عامى 2005، و2009، بيد القوات الأمريكية، كما لا تكشف عن كيف صعد «داعش» بهذه السرعة، وكيف اجتاح العراق كالسيل، ولا إلى أين سيصل.daash2

«داعش» يحكى ذلك بنفسه، فقد نشر خريطة لدولته المستقبلية، التى تضم العراق وسوريا وصولاً إلى الكويت، وصولاً إلى تركيا وأذربيجان وقبرص، وبعيداً عن الأوهام التى تسكن رأس من صنع هذه الخريطة، يظل «داعش» الدليل الأشد وضوحاً على أنه إذا انتهى «القاعدة»، فهناك ألف «قاعدة» سيظهر، وبشكل أشد قوة وقسوة مادامت أسبابه مازالت موجودة، ومادام التعامل معه لا يتم بالشكل الصحيح الذى يجتثه من جذوره.

«القاعدة»، أو «الإخوان»، أو «داعش»، أو دالم، أو غيرها من الجماعات الإرهابية التى تعيث فى الأرض فساداً، وتقتل وتدمر وتزهق الأرواح وتمثل بالجثث، كلها أوجه لعملة واحدة، تتاجر بالإسلام، وتسىء إليه أكثر مما يسىء إليه أعداؤه، وتتعامل معها الحكومات بنفس الطريقة التى تتعامل بها طوال الوقت، والتى أثبتت دائماً وأبداً فشلها.

حذّرت مصر منذ وقت طويل من الإرهاب العالمى، ودعت إلى مواجهته، وذلك قبل الحادث الإرهابى الأشهر، وهو تفجير برج التجارة العالمى فى أمريكا، لكن لم يسمع العالم، ولم يتعظ، وظنت أمريكا أنها باحتلالها العراق وأفغانستان قد قضت عليه، لكنه عاد بشكل أشد بشاعةً، وعنفاً.

لا يمكن القضاء على الإرهاب دون اجتثاث القاعدة الفكرية له، والقاعدة الاقتصادية التى تمده بالمال والعتاد، لا سيما إذا عرفنا أن «داعش» لا يعانى مشاكل مالية تعوق حصوله على السلاح والعتاد وتجنيد المتشددين، إذ يتصرف فى ثروة لا تقل عن مليارى دولار، فالتنظيم الجديد، على عكس غيره من التنظيمات الأخرى، فطن باكراً إلى أهمية تجاوز الحصول على التبرعات والتمويلات عبر الطرق التقليدية، إذ عمد منذ البداية، بعد التضييق على مسالك التمويل القديمة المتمثلة فى الحسابات البنكية والتحويلات المصرفية، إلى الاعتماد على التطبيقات الإلكترونية خاصة شبكات التواصل الاجتماعى التى تتيح حرية أكبر مثل واتس آب، للدعاية وإغراء المترددين، وأيضاً لتمرير التعليمات والعمليات وتحديد الأهداف خاصة التمويل، وتفادى الرقابة على حركات الأموال وتعويض العمليات البنكية بأخرى مادية عن طريق تبادل عناوين لأشخاص ومنازل لجمع التبرعات والتمويلات.

كما سمحت سيطرة «داعش» على حقول نفطية فى الشرق السورى منذ 2012 بتعزيز إيراداته المالية، بما فيها الكميات التى باعها للنظام السورى فى مفارقة غريبة، فضلاً عن نهب الثروات التاريخية والثقافية والمواقع الأثرية السورية، إضافة إلى تجارة التهريب بما فى ذلك تهريب الممنوعات.

الصراع مع «داعش» وغيره، أصبح صراعاً اقتصادياَ وفكرياً، فبدون تجفيف موارده المالية، وتجفيف أفكاره، وتفنيد ما يغرى به الشباب، ومحاربته فكرياً، فلن يمكن القضاء على الإرهاب الذى يهدد العالم كله، لا الشرق الأوسط فقط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s