ساعة تاريخه

إحدى المشكلات التي وقع فيها حسنى مبارك في أعوامه الأخيرة أنه ترك نفسه أسيراً للأمن ورجاله، وتحول الأمن من عنصر حماية إلى عنصر تقييد، وتحول الرئيس إلى رهينة، فعاش معزولاً حتى لو كان يرى ما حوله، وبات منفصلاً عن الواقع، حتى لو كان أقرب إليه مما يدرى، باختصار تحول الرئيس إلى أسير لدى مخاوفه الأمنية ووسط حراسه الذين تحولوا إلى سجانين بقفازات ناعمة.

أخطر أعداء القائدـ أي قائدـ أن يترك نفسه لمخاوفه الأمنية، لأنه في هذه الحالة يعيش منغلقاً على نفسه حريصاً على أمنه، غير مدرك العواقب، هذا الغرق الشديد داخل سجن الأمن هو الطريق الأسهل للحرس- أي حرس- وهو أن تؤمن المسؤول بمنعه من الحركة أو في الحد الأدنى وضع قيود مسبقة على هذه الحركة.President Abdel Fatah Elsisi

كان أكثر النقاط التي توقفت أمامها، شاعراً بالانزعاج، أن يتمكن صوت الأمن من أن يسيطر على سلوك وحياة رئيس مصر الجديد، وكانت فترة الحملة الانتخابية سبباً لهذا التخوف، فقد شهدت تحركاً شديد المحدودية للمرشح وقتها لأسباب أمنية، وتخوفت من أن يكون هذا هو الأسلوب القادم، خاصة مع مقدمات كانت قد بدأت تظهر في بعض الأوساط بأن حالة الخوف على أمن الرئيس هي الكلمة العليا. خشيت وقتها أن يستسلم السيسى لهذه القبضة الأمنية التي تطلب منه مقدماً بساعات طويلةـ إن لم يكن بأيام- أين يذهب ومن يلتقى لتجديد إمكانية الحركة وتأمينها.

كنت أعلم يقينا أن هذا يتناقض مع طبيعة الرجل الذي صرح أكثر من مرة بشكل خاص وبشكل عام بأن قراره أن يعيش بين الناس ووسط الجماهير، وأن على الناس جميعاً أن يتوقعوا أن يجدوه بينهم في أي لحظة.

هذا التخوف ظل مسيطراً علىَّ طوال الفترة الماضية، واعتقدت وقتها، بل ذكرت ذلك للعديدين بأن أنسب الطرق التي ينبغى أن يمارسها الرئيس الجديد هي استعارة الأسلوب والتعبير العسكرى الذي هو «ساعة تاريخه»، ولمن لا يعلم ما هي «ساعة تاريخه» وماذا تعنى، فمعناها ببساطة أن قرار الفعل يتم اتخاذه وتنفيذه في ذات اللحظة.

وإذا ما ترجمنا ذلك على الأرض، فإن معناه أن الرئيس هو الذي يقرر ماذا يريد أن يفعل، وعلى الآخرين أن يكيفوا أنفسهم وفق قرارها أن يتحول هو إلى قائد يقود مجموعاته بما فيها عناصر الأمن، ولا يسمح لتلك العناصر بأن تتحول إلى قيود وعازل بينه وبين الجماهير.

ما أراه حتى الآن من مقدمات توضح أن الرجل حمل معه من بين ما حمل من قيم العسكرية في حياته المدنية مفهوم «ساعة تاريخه»، فكان في المستشفى يزور ضحية التحرش، ثم قاد الآلاف من راكبى الدراجات في مشهد يثبت نية الالتحام ليس فقط مع الناس، ولكن مع المشكلات.

ما أتوقعه الفترة القادمة إذا استمر الرئيس في تنفيذه هذا المفهوم، وتمكن من فرضه على من حوله، كاسراً دائرة الأمن وأصحاب الثقة، فإننا سوف نجده يوماً في إحدى المؤسسات الحكومية ويوماً آخر في أحد المصانع أو في طابور الصباح بإحدى المدارس، فقط أود التذكير في هذا المقام بأن مصر أكبر كثيراً من القاهرة، وأن المصريين فيها ينتشرون في بر مصر، لا تحدهم حدود العاصمة، لذلك أتمنى أن تكون مساحة حركة الرئيس في المرحلة المقبلة تسع كل المصريين، وتطول كل أراضى مصر، مطبقاً المبدأ الواضح: «ساعة تاريخه».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s