هل يمكن أن يؤتمن العقرب؟

يحكى أن عقرباً كان يشعر بأنه منبوذ لأنه يلدغ جميع من يقترب، بعد أن تركه الجميع وعاشوا على الضفة الثانية من النهر، وفى يوم أراد العقرب أن يعبر إليهم فى الضفة الثانية من الشاطئ، ولما كان لا يعرف السباحة فى المياه، انتظر حتى وجد ضفدعاً قريباً من الشاطئ، فاقترب منه قائلاً: يا صاحبى!.. هل لك أن تنقلنى إلى الضفة الثانية من النهر؟عبد اللطيف المناوي

رد الضفدع: كيف لى أن أنقلك، وأنت المعروف بلدغتك، وغدرك، وسُمّك القابع فى جوفك؟! ومن يضمن لى أنك لن تلدغنى بوسط النهر، وتقتلنى؟!. ألم تلدغ الكثيرين من قبل حتى أقرب القريبين منك، ثم إنى اتفقت مع «أشقائى» و«حلفائى» ألا نتعامل معك إلا سوية بعد أن تعود عما فى رأسك، وتعتقد أنك قادر عليه رغم «حجمك».

قال العقرب: كيف لى أن ألدغك، وأنا راكب على ظهرك!.. فإن لدغتك، فسنغرق سوية! ثم إنك صاحب فضل علىَّ وساعدتنى، فهل يعقل أن أضع سمى فى عنق من ساعدنى؟

رد الضفدع مشككاً بصدق العقرب بينه وبين نفسه: أعطيه فرصة، عله يصدق هذه المرة؟ لقد «تفاوضنا» كثيرا وهو على استعداد لأن «يوقع» وثيقة يتعهد فيها بحسن الخلق كما وقع من قبل، صحيح لم يلتزم ولكن لماذا لا أعطيه فرصة؟ صمت الضفدع لحظة بعد تفكيره الذى اعتقد أنه «عميق» وقال للعقرب بلهجة «متذاكية»: لا بأس!.. لقد أقنعتنى.. اركب على ظهرى، لأوصلك إلى الضفة الأخرى، ولكن احذر فإنى سأراقبك طول الطريق.

ركب العقرب على ظهر الضفدع الذى انطلق سابحاً.. وفى وسط النهر بدأت غريزة العقرب تتحرك، وشهوته فى اللدغ تشتعل، فكان يُصَبِّر نفسه حتى يعبر النهر، ولكن شهوته لم تسكن، ونفسه مازالت تأمره، بل تشجعه على اللدغ، فلدغ.. وبدأ الاثنان فى الغرق! فقال له الضفدع مندهشاً: لِمَ لدغتنى؟! وقد ساعدتك.. فقد قتلت نفسك، وقتلتنى معك! فقال له العقرب: أمرتنى غريزتى، فاستجبت لها! يا عزيزى.. أنا عقرب، وأنت تعرف ذلك، ولو لم ألدغك وأخدعك لما استحققت أن أكون عقربا! وبينما يغرق الضفدع يكرر سؤاله الذى عرف إجابته: «لكنك وعدت، ووقعت عهدا، فلماذا لم تلتزم؟!»، وكانت آخر خيالات أمام الضفدع ضفادع أخرى ماتت أمام عينيه «لدغا».

وهكذا.. ماتا غريقين!

هذه حكاية قديمة، مجهولة المؤلف، وينسبها البعض إلى كتاب كليلة ودمنة والبعض ينسبها إلى حكايات فلكلورية ألمانية، لكن أياً كان مؤلفها فهى تستحق أن تروى دائماً لتفسر لنا وتُذَكِّرنا بمواقف بعض الأشخاص والمؤسسات والدول، حتى يتبين لنا من يتخابث علينا ويخدعنا ليعود إلى صفنا مرة أخرى ونحن نعرف أنه ذات يوم سيخدعنا، لأن غريزة الشر لديه أقوى من أى غريزة أخرى.

البعض يعتقد أن سؤال الحكاية التراثية الحقيقية هو لماذا لدغ العقرب الضفدع؟ مع أن الإجابة معروفة، وهى أن من تربى على شىء شاب عليه، ومن خبرناه وعرفناه طوال سنوات عمره وهو لا يحفظ معروفاً، ويحفر لمن حوله، وعندما يقاطعونه لسوء طباعه، يعود ليبكى لهم، مدعياً أنه توقف عن خصاله الشيطانية، فإذا ما صدقوه للحظة عاد إلى ما كان يفعله، وكأن شيئاً لم يحدث، فهذه طباعه التى لن يغيرها، مهما أقسم أو وقع على بيانات وأعلن التزامه بما طُلب منه، لأنه سيعود ويلحس وعوده مرة أخرى، وهو الأمر الذى يجعل السؤال الحقيقى للقصة هو: لماذا وافق الضفدع على أن يحمل العقرب فوق ظهره وهو يعرف أن هذه طبيعته التى لا يلبث أن يعود إليها؟!

كما فى القصص الشعبية، هناك فى السياسة الدولية دروس مستفادة، وأسئلة يجب أن تتم الإجابة عنها، وما حدث بين الضفدع والعقرب يمكن أن نراه بسيطا فى محيطنا الإقليمى والدولى إذا راقبنا ما يحدث، ويمكننا ببساطة أن نصل إلى النتائج التى انتهت إليها قصة الضفدع والعقرب.

العقرب لا يسكن إلا مع العقارب، لا يأتمن سواهم فى بيتهم، ولا يبدو أنه يريد سواهم، فإذا جاءكم ذات يوم وقال لكم إنه توقف عن اللدغ، من أجل الأخوة والمصالح المشتركة، فلا تصدقوه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s