اللى حضّر العفريت يصرفه

p1010061.jpg

عنوان المقال هو مثل مصرى معروف يعلق جرس المسؤولية فى رقبة المسؤول عن الفعل. هذا المثل هو من أكثر الأمثال التى تحضرنى خلال الفترة الأخيرة، وهو يحضرنى كلما بدأ الحديث عن الإسلام السياسى أو خلط الدين بالسياسة. والمشكلة الحقيقية هنا هى ذلك الفشل المتكرر لكل من حضّر العفريت ولم يعرف كيف يصرفه. والنماذج هنا كثيرة، لكن يظل أكثرها حضوراً نموذج أنور السادات والنموذج الأمريكى.

الرئيس المصرى الأسبق أراد أن يواجه منافسيه السياسيين فى ذلك الوقت من اليساريين والناصريين، فاستحضر قوى الإسلام السياسى، المتمثلة وقتها فى جماعة الإخوان المسلمين، التى كانت قياداتها وقتها ما بين هاربين ومسجونين، فأخرجهم وأعادهم ليستخدمهم- أو هكذا تصور- فى مواجهته السياسية، ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، بل خلق الجماعة الإسلامية فى الجامعات لنفس الهدف: مواجهة نفوذ وسيطرة اليسار والناصريين على الجامعة، فخرجت الجماعة الإسلامية مدعومة بأمن النظام وحمايته ودعمه السياسى. لم يدرك السادات وقتها خطورة إخراج العفريت من القمقم، أو لعله أدرك ذلك فى لحظاته الأخيرة وهو يعانى آلام الرصاص الذى أطلقه عليه أبناء العفريت الذى أخرجه بنفسه من قمقمه ولم يعرف كيف يصرفه.

القاعدة أو تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد هى منظمة وحركة متعددة الجنسيات، تأسست فى الفترة بين أغسطس 1988 وأواخر 1989/ أوائل 1990، تدعو إلى الجهاد كما تعتقده. فى البداية، كان الهدف من تأسيس القاعدة التى أسهمت فى إنشائها أمريكا محاربة الشيوعيين فى الحرب السوفيتية فى أفغانستان، دعم الولايات المتحدة وحلفائها كان واضحاً، موّلت الولايات المتحدة عن طريق المخابرات الباكستانية المجاهدين الأفغان الذين كانوا يقاتلون الاحتلال السوفيتى فى برنامج لوكالة المخابرات المركزية سمى «عملية الإعصار». فى الوقت نفسه، تزايدت أعداد العرب المجاهدين المنضمين للقاعدة (الذين أطلق عليهم «الأفغان العرب») للجهاد- كما يعتقدون- ضد النظام الماركسى الأفغانى، بمساعدة من المنظمات الإسلامية الدولية، وخاصة مكتب خدمات المجاهدين العرب، الذى أمدهم بأموال تقارب 600 مليون دولار فى السنة تبرعت بها حكومات ومؤسسات وأشخاص اعتقدوا وقتها أنهم ينصرون الإسلام، ولم يدركوا أنهم لم يكونوا سوى ممولين لصنيعة أمريكية سوف يدفعون هم ثمن مشاركتهم فى صنعها يوماً ما، والمشكلة أن بعضهم مازال غير مدرك لذلك.

ودفعت أمريكا نفسها ثمن إخراج العفريت من قمقمه عدة مرات، لكن يظل ما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر هو الثمن الأعلى.

ما يدفعنى إلى الحديث عن هذا الموضوع اليوم هو ما ألحظه من العناد والإصرار على تكرار الخطأ. عندما أرى اليوم ذلك الإصرار الأمريكى على دعم تجربة الإسلام السياسى وتمكينه من الحكم بأشكال مختلفة أصاب بالدهشة. ها هم يكررون الخطأ مرة أخرى، ويعتقدون هذه المرة أن شغل جماعات الإسلام السياسى والجماعات الجهادية سوف يصرف عنهم خطورة هذه الجماعات، ولذلك عملوا لسنوات من أجل تنفيذ هذا المشروع، ويمكننا أيضاً أن نلمس ذلك الإصرار على الجهل، منهم أو منا، بأن مخططهم هذا يجنبهم المخاطر. اعتقدت هذه الدول، وعلى رأسها أمريكا، أنه طالما هذه الجماعات بعيدة عنهم ومحصورة فى بلادها فهم فى أمان منها، وهم هنا لا يدركون أنهم إنما يعطونها سماء آمنة يتمكنون من خلالها أن يجتمعوا لينظموا أنفسهم وسوف تكون هذه الدول من بين الأهداف. الخطأ الكبير أنهم لا يدركون أن العفريت عندما يخرج من القمقم فإن إعادته إليه ليست سهلة، وأيضاً أن العفريت لا يعترف بالحدود والمسافات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s