عدو الجهل والجهلاء

طه حسين

على مدى 84 عاماً من عمره (1889 – 1973) أمضى طه حسين حياته فى مواجهة الجهل والجهلاء. مر على وفاته أربعون عاما ونحن مازلنا نواجه الجهل والجهلاء الذى عانى منهما طوال حياته، فقد كان الجهل وراء علاج حلاق القرية لعينيه فأصابه بالعمى وهو طفل صغير، وكان الجهلاء وراء اتهام شاعره الأثير أبى العلاء المعرى بالكفر والإلحاد لأفكاره وآرائه، ولذلك لم يكن غريباً أن يحصل طه حسين على أول دكتوراة عن شعر المعرى كما لو أنه أراد الدفاع عنه وإثبات براءته أمام التاريخ، وبهذا كان طه حسين أول باحث يحصل على أول دكتوراة تمنحها الجامعة المصرية 1914.

ولم يسلم طه حسين من هجوم الجهلاء عليه حتى بعد أن غادر الحياة، فقد بادر بعضهم بقطع رأس تمثال طه حسين فى حديقة محافظة المنيا منذ أكثر من عام. وفى نفس العام تم إلغاء تدريس كتابه الشهير «الأيام» بالمدارس.

أستعيد صورة وتاريخ طه حسين فى هذه الأيام التى بتنا نؤمن يقينا بأننا لن نخرج منها إلا فوق أكتاف المتعلمين، ولذلك نحن فى حاجة إلى إعادة دراسة وتدريس طه حسين بالمدارس والجامعات، إذا كنا صادقين فى مواجهة الجهل والجهلاء، لأن استمرارنا فى الجهل بإنتاجه الفكرى والأدبى- وهو الذى أسهم فى تكوين العقل العربى المعاصر.

بدأ طه حسين معركته التنويرية الحادة بكتابه «فى الشعر الجاهلى»، الذى صدر عام 1926 عن دار الكتب المصرية، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التى سبق أن ألقاها على طلابه، والذى أثار حينها عاصفة من النقاش والجدال، وقد تم منع هذا الكتاب تحت ضغوط بعض الفئات الإسلامية المتطرفة وغيرها، لكن هذه الهجمة جعلته يصر على موقفه. وقد توقَّع طه حسين ما حدث من ضجة حول الكتاب، ومن انقسام حوله بين داعم ورافض له مما جعله يكتب فى مقدمته: «هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربى جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورّون عنه ازورارا. ولكنى على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابى فى الجامعة. وليس سرًّا ما يُتحدث به إلى أكثر من مائتين. ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعًا ما أعرف أنى شعرت بمثله فى تلك المواقف المختلفة التى وقفتها من تاريخ الأدب العربى، وهذا الاقتناع القوى هو الذى يحملنى على تقييد هذا البحث ونشره فى هذه الفصول.

وبعد مرور عام من الاحتجاجات التى صاحبت ظهور هذا الكتاب، صدر الكتاب مرة أخرى عام 1927 بعنوان «فى الأدب الجاهلى»، وذلك بعد أن تم حذف بعض الأفكار التى كانت سببًا فى إثارة كل هذا السخط على طه حسين.

أهمية طه حسين تكمن فى أنه حمل الذهنية النقدية، ولم يكن مجرد متلقٍ للمعطيات، بل حاول تفكيكها إلى أجزائها وإلى بنياتها الأولى، والداخلية، والمجازية، ومن ثم إعادة بنائها.

لماذا طه حسين الآن وليس هذا موسم الحديث عنه، فلا هو ذكرى ميلاده ولا ذكرى وفاته؟ أظن أن الإجابة تكمن فى أصل الداء الذى نعيشه وهو أزمة التعليم وانتشار الجهل والجهلاء، ولا مخرج لنا من تلك الحالة إلا بالبدء الجاد نحو حل قاطع لمشكلة التعليم. عندما نصل إلى هذه النقطة يقفز إلى الذهن أشهر عدو للجهل والجهلاء وأحد أكثر الذين يحضر اسمهم عند الحديث عن التعليم. نحن بحاجة إلى نموذج طه حسين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s