نحو تأسيس التجربة المصرية

1274779031egy2

مصر أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا، هذا أحد التعبيرات المهمة التى كررها الفريق السيسى خلال الفترة الماضية عدة مرات، ذكرها قبل ثورة المصريين فى الثلاثين من يونيو أمام جنوده وضباطه، وأطلقها أمام الشعب عدة مرات بعد نجاح ثورته التى حماها الجيش. قد تبدو الجملة وكأنها جزء من المبالغة اللفظية أو التعبيرات الجمالية فى اللغة أو قدرة تلاعب بالألفاظ ليحظى المتحدث بآهات المستمعين، لكن الحقيقة التى وجدتها منذ اللحظة الأولى وتأكدت لدىّ بعد ذلك بشكل عملى أن التعبير يحمل فى داخله إيمانا كبيرا بصحته وإمكانية حدوثه.

مصر أم الدنيا تعبير نشأنا عليه وعشنا فيه وعاش معنا، هو أيضاً تعبير يستخدمه دائماً محبو مصر من العرب وهم كثر، وأصبح هذا التعبير علامة مميزة لمصر بين أبنائها وبين محبيها. وقد يكون منطلق هذا التعبير عائداً إلى ما تمتلكه مصر من حضارة وعمق فى التاريخ، وكثافة سكانية ووزن ومكانة فى المنطقة والعالم، وهى الصفات التى تعرضت إلى تهديد بواسطة الجماعة التى كانت حاكمة، فهم لم يفهموا مصر وقيمتها فى الحضارة الإنسانية والضمير البشرى، وحاولوا تقزيمها. رفض المصريون الإحساس بإهانة «أم الدنيا» على يد بعض من أبنائها ضلوا الطريق وأهانوا وطنهم.

عادت أم الدنيا لقيمتها ووضعها بأيدى أبنائها الذين رفضوا العيش فى ظل التقزيم. ونأتى الآن إلى الجزء الآخر من التكوين الجديد الذى أطلقه السيسى وأضاف إليه «أد الدنيا»، ويكون السؤال هنا: كيف يمكن لمصر أن تكون «أد الدنيا»؟.

وسوف أبدأ بالحديث السياسى قبل الحديث الاقتصادى. السؤال المطروح الآن هو: أى التجارب يمكن أن تسير فيها مصر، التجربة التركية أم تجربة جنوب أفريقيا؟ يدور جدل سياسى بين المثقفين والسياسيين والمتخصصين حول اختيار أى الطريقين، ويمتلك كل طرف يميل لتجربة أسبابه التى تجعله أكثر ميلا لما يعتقده.

أظن أن الخطوة الأولى نحو تأكيد مفهوم مصر التى ينبغى أن تكون «أد الدنيا»، هى أن نتوقف عن البحث عن أى من التجربتين يصلح لمصر، تركية أو جنوب أفريقية، والاقتناع والعمل على أن تكون لنا تجربتنا المصرية، تلك التجربة التى تمتلك داخلها مقوماتها الخاصة القادرة على النجاح والمرور إلى الأمام بالوطن خارج منطقة النوات السياسية. يمكن بالفعل ترسيخ مفهوم التجربة المصرية التى بدأت بخروج شعبى هادر ثائر فاستجاب جيش الشعب لنداء من يدين له بالولاء، فوقف مع الشعب وحماه وحقق له حلمه باستعادة الوطن. وبادر الجيش بتسليم السلطة ليؤكد أنه فعل ذلك تدعيما لخيار الشعب ورغبته وليس رغبة فى القفز على الحكم. ووضع خارطة طريق واضحة بدأ الالتزام بها منذ الإعلان عنها، وتجاوبت معها الأغلبية العظمى من الناس لإخراجهم من النفق. تكتمل هذه التجربة المصرية بالانتخابات الرئاسية بعد أن أقر الشعب الدستور، ثم الانتخابات البرلمانية بالأسلوب الذى يتوافق مع طبيعة المجتمع والظروف التى نمر بها.

الجانب الآخر من الجهد هو الجانب الاقتصادى، الذى يحتاج إلى مساحة أكبر للنقاش، لكنى أكتفى هنا بالقول إن مصر فى حاجة إلى جهد مزدوج من أهلها وأشقائها، عودة البناء وعجلة الإنتاج هى الأساس، إعادة تفعيل وتطوير البنية التحتية هى هدف مهم، وأظن أن للجيش دورا كبيرا فى هذه المنطقة. أما الأشقاء فيجب أن يعلموا أن مصر قد أنابت عنهم بشعبها وجيشها فى نزع ورم سرطانى كان سيتمدد حتى يصل إليهم، وأقل ما ينبغى عمله هو الوقوف الحقيقى بجانب مصر فى هذه المرحلة، لتأخذ مصر مكانتها التى تؤهلها لكى تكون «أد الدنيا» بأهلها أولاً وأشقائها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s