المشكلة أنهم صدقوا أنفسهم

IMG_0132

الضجيج كفيل بخلق انطباعات غير حقيقية، هى مسألة أشبه بصوت الضفادع فى جوف الليل تظنها وحوشا كاسرة لضخامتها وضجيجها، ولكن فى ضوء الحقيقة تكتشف الأحجام الحقيقية للضفادع. هذه الصورة شبيهة نسبيا بما يحدث فى مصر الآن، تتنافس ما تسمى القوى السياسية والأحزاب، التى أتحدى أى مصرى أو عربى أن يعرف عددها أو يميز قادتها، فى إحداث أكبر قدر من الضجيج حتى يظن من لا يعلم أنها قوى سياسية جبارة قادرة على حشد الجماهير الجرارة خلفها فى الوقت الذى يؤكد فيه الواقع الذى نعيشه أنهم لا يستطيعون حشد عدد ركاب حافلة عامة، ينسحب هذا الوصف على الأحزاب وما اصطلح على تسميتها القوى السياسية، والتى لا تملك من عناصر القوة سوى الأحرف المشتركة بين «القوة» و«القوى». المشكلة أن هؤلاء قد نجحوا فى خلق مناخ عام كاذب بأنهم الممثلون الحقيقيون للشعب المصرى، وأن ما ينطقون به لا يصدر عن هوى إنما هو صوت الجماهير وإرادتها، وبناء على ذلك يتحكمون فى رسم مصير الأمة وتحديد مستقبلها، ومع الأسف ليس هناك من يوقفهم عند الحدود الطبيعية لهم. الأمر الأكيد أنه ليس هناك فى مصر حتى الآن ما يمكن وصفه بقوى سياسية متجانسة يمكن أن تشكل ثقلا حقيقيا أو تواجدا أصيلا فى مصر، ويمكن أن نتوقف عند بعض النقاط التى ستقف دليلا على صحة ما أدعى.

الانتخابات البرلمانية، سواء ما قبل يناير أو ما بعدها فى مصر، أثبتت أنه ليس فى مصر أحزاب، وأن كل ما مررنا به خلال العقود الأخيرة منذ عام ١٩٧٧ مع الإطلاق الثانى للتعدد الحزبى لم يكن إلا وهما كبيرا، أو مشروعا تم إجهاضه على مدار السنين.

نشأة أحزاب المعارضة المصرية الرئيسية فى المرحلة التالية لثورة يوليو كانت إحدى المشكلات الرئيسية فى مدى جدية وتأثير المعارضة، فقد وُلدت من رحم النظام، ذلك أن التجربة الحزبية جاءت من قمة الهرم السياسى أى من النظام باعتبارها قرارا مركزيا من السلطة المركزية ممثلة فى الحاكم، هذا يتناقض كليا مع مفهوم الحزب الذى هو بالضرورة تعبير عن قوة أو قوى فى المجتمع تطورت لتشكل كيانا يعبر عن مواقفها ومصالحها، وبالتالى فإن ما حدث لم يكن كذلك، بالإضافة إلى أن هذه النشأة أثرت بالطبع على علاقة المعارضة بالنظام منذ البداية، كذلك ضعف التأييد الجماهيرى الذى قد يمنح لهذه الأحزاب، باعتبارها امتدادا للنظام أو مجرد واجهة لتجميل صورته.

نتيجة لهذه النشأة وأسلوب التكوين فقد ظلت هذه الأحزاب مجرد نقطة صغيرة وسط جموع المصريين الكثيفة غير قادرة على إقناع وتعبئة الجماهير، أو الضغط بشكل مؤثر، الآن حسب آخر الإحصاءات المتوفرة فإن مصر بها أكبر عدد من الأحزاب فى تاريخها، ورغم تزايد هذا العدد فإن هذا ليس دليلاً على قوة النظام الحزبى فى مصر، وقد أتت مؤشرات الانتخابات الحالية لتؤكد الحقيقة التى علينا مواجهتها بأننا لا نملك الملامح الحقيقية لنظام حزبى حقيقى، فما بالك بتعدد حزبى حقيقى.

وتظل الحقيقة الراسخة أن كل القوى السياسية المصرية الحاضرة على الساحة اليوم لا تعبر عن حضور حقيقى ولا تمثل المصريين، المشكلة أنهم غير مقتنعين بهذه الحقيقة وصدقوا أنهم يمثلون المصريين، ليس مجرد تمثيل، بل تتخطى أوهامهم الحدود ليضعوا أنفسهم أوصياء. لابد من قراءة الظواهر وفهمها لمعالجتها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s