حوائط الصمت

عبد اللطيف المناوي

كنت دائما من الداعين إلى نبذ الخلاف والتوحد حول أهداف وطنية، الأساس فيها الحفاظ على مصالح المصريين البسطاء الذين شكلون السواد الأعظم من أبناء هذا الوطن، ولكنى أيضا من المتحفظين على أن يكون الحفاظ على هذا الشكل من التوحد أن يكون من خلال حفلات من النفاق والتودد لقطاع على حساب قطاع، أو لتيار على حساب تيار، أو لصالح أى أحد على حساب أبناء الوطن الذين لم يجدوا أمامهم إلا العودة إلى مواقعهم التى عاشوا فيها طويلا كأغلبية صامتة لا مبالية.

كدت أكون من المخدوعين بما تم الترويج له عقب الاستفتاء بمسألة امتناع الشباب وغيابهم عن المشاركة، وتفنن البعض فى إيجاد أسباب لهذا الغياب، فمنهم من تحدث عن السلوك «غير المرضى» لهؤلاء الشباب بعد 30 يونيو، حيث لم يجدوا لهم مكانا، وتكشفت بعض ملامح ما حدث من قبل، والبعض تحدث عن مقدمات عودة إلى نظام قديم يخشى فيه هؤلاء على أنفسهم، والبعض الآخر تحدث عن علاقة «صفرية» بين 25 يناير و30 يونيو، ينفى فيها أحدهم الآخر. وبدا كل هؤلاء يدللون بموقف هنا وتصريح هناك على صحة ما يدعون، يبدو أن هذه الحالة قد لاقت صدى لدى قطاعات متعددة من المتابعين وفى الدولة، لكن الحقيقة أن هذا الغياب المزعوم لم يكن موجوداً إلا فى أذهان الذين يروجون له. فالمتابع والقارئ لنتائج الاستفتاء سيجدان نسبة الشباب المشاركيين كانت طبيعية جدا، لكن الملاحظ أن أصحاب الصوت العالى منهم هم الذين غابوا، وهذه بداية ظاهرة احتكارية جديدة يتبناها هؤلاء، بحيث يعتبرون معيار الصلاحية والشرعية فى أى موقف هو مشاركتهم من عدمها. هؤلاء غابوا لإحساسهم بأنهم يفقدون أرضيتهم ومصالحهم، فقرروا الانتقام. لكن الحقيقة، كما ذكرت، أن الخلل هنا فى اعتماد هؤلاء كقوة مانعة أو دافعة أى تحرك فى المستقبل، فإن قوة الشباب الحقيقية هى أولئك الذين يقفون فى مواقع عملهم أو مواقع دراستهم أو أولئك الذين يقفون فى طابور الباحثين عن العمل وليس هؤلاء الذين اعتبروا الصوت العالى والأسلوب الاحتكارى للتعبير عن مطالب الشعب هو الطريق.

دعوت من قبل إلى نبذ الخلاف، ومازلت أصر عليه، ولكن بشرط ألا يكون ذلك دون تنازلات على حساب الأغلبية التى بدأ جزء منها يتحصن بالصمت. هذه الحملة ذات الصوت العالى دفعت أطرافاً متعددة فى الدولة وفى الإعلام إلى الاندفاع نحو إرضاء تيار على حساب تيار، فلاحظنا لدى البعض صوتاً عالياً منافقاً مبالغاً لتعزيز مواقف وأشخاص عليهم العديد من الملاحظات خلال الفترة الماضية، هؤلاء لا يعلمون، وهم يسلكون هذا السلوك، أنهم يخسرون مرتين: مرة عندما يخسرون تياراً كبيراً له ملاحظاته وتحفظاته، ولكنه لا يملك صوتاً عالياً ستتحول مواقفهم إلى مواقف غير داعمة، وسيخسرون مرة أخرى قطاعاً كبيراً من الناس الذين يصيبهم الارتباك من تناقض المواقف، فيقررون الخروج من معادلة الفعل، ليحتموا خلف حوائط الصمت. نحن فى حاجة إلى التقدم إلى الأمام، من أجل الأغلبية من المصريين الذين يريدون العيش بكرامة مرفوعى الرأس مستقلى الإرادة، لا يحكمهم إلا صوت المصلحة الوطنية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s