الديمقراطية والصندوق

IMG_0132

رغم نتيجة الاستفتاء المفاجئة للبعض ممن لم يتوقعوا خروج المصريين بهذا الحجم، فإن الدرس الأول لنا هو ما حاولنا طويلاً شرحه للإسلاميين، وهو أن الديمقراطية ليست فى الصناديق فقط، بل إن لها أدوات إضافية يجب أن نعيها، ونحن نخطو خطوة للأمام فى خارطة المستقبل، وأولاها تلبية طلب الملايين، الذين خرجوا طلباً للخطوة التى تلى الاستفتاء، وهى السير نحو الاستقرار، والخلاص من حالة الفوضى المستمرة منذ ثلاث سنوات.

لكن الدرس الأهم فيما حدث أن شرعية الصناديق ليست ملكاً لفصيل سياسى بعينه، وليس من حق تنظيم الإخوان الهتاف بعد ذلك، والصراخ على الفضائيات بما يسمونه «شرعيتهم»، فقد نجحت الملايين التى خرجت للاستفتاء على الدستور فى فرض شرعية جديدة، وإلغاء ما كان يعتبره التنظيم الإخوانى شرعية له ولوجوده، بما أنه لا يعترف إلا بالصناديق.

ظل الإسلاميون طويلاً يتاجرون بالصناديق، وبأصوات الفقراء، الذين يدلون بأصواتهم لهم مقابل الزيت والسكر، والوعد بمفاتيح الجنة، وظنوا أنهم احتكروا الصناديق، وعرفوا كيف يحركون الطوابير تجاهها، وظنوا أنهم حينما يقاطعون الاستفتاء ستكون اللجان خالية، وهو ما حاولت مواقعهم وقنواتهم الإيهام به، لكن الصور القادمة من جميع الفضائيات ووكالات الأنباء العالمية من داخل اللجان كذبتهم، بل أرعبتهم من الآلاف الذين تراصوا فى الطوابير ليدلوا بأصواتهم دون أن تُمارس معهم ألاعيب السياسة، ودون أن يحصلوا على زيت وسكر الإخوان، ودون أن يعدهم أحد بمفاتيح جنة، لم يمنح الله أحداً صكاً بها، بل خرجوا بدافع الدفاع عن وطنهم، وحرصهم عليه، ودفعاً له للتقدم خطوة إلى الأمام.

لم يتوقع تنظيم الإخوان أن يكون الرفض الشعبى لهم بهذا الحجم، ولم يتوقعوا أن يكون الخروج الشعبى هكذا، وربما هذا هو ما يفسر حالة الهذيان، والانفعال المبالغ فيه لهم بعد ظهور المؤشرات الأولية للاستفتاء، ومحاولة إشعال الحرائق فى الجامعات، والحشد بأقصى طاقاتهم يوم الجمعة، لإضاعة فرحة المصريين بدستورهم، ولفت النظر بعيداً عن الإنجاز الذى تحقق.

بتصويت المصريين على التعديلات الدستورية أدركت جماعة الإخوان أن ورقة التوت الأخيرة سقطت عنها، وأنه لم يعد بإمكانها المتاجرة بأصوات الفقراء الذين لفظوها بعد أن اتضح مدى متاجرتها بهم، ولعل المفاجأة الحقيقية للجماعة أن المحافظات التى كانت أكثر تصويتاً لهم فى انتخابات الرئاسة هى التى كانت أكثر تصويتاً بـ«نعم» فى الاستفتاء، ولفظاً للجماعة.

الدرس الذى نتعلمه من كل ما سبق هو ألا نقع فى خطأ الإخوان، وألا نتوقف عند الملايين الذين تراصوا أمام اللجان، والذين فاق عددهم أى استفتاء آخر، وألا نعتمد فقط على أن نسبة التصويت على هذا الاستفتاء فاقت كل نسب الاستفتاء فى تاريخ مصر، بل استفتاءات كثيرة فى العالم، بل يجب أن نفكر فى الخطوة التالية.

الاستفتاء على الدستور ليس نهاية الطريق، بل هو بدايته، وأمام هذه الدولة حتى تعود إلى سابق عهدها، وحتى تتخلص من جراح الماضى، الكثير من الخطوات التى يجب أن تتخذها. من حقنا أن نفرح بنتيجة الاستفتاء، وبشعبنا الذى يذهل العالم مراراً وتكراراً، لكن علينا ونحن نفعل ذلك أن نفكر فى الخطوة التالية، وأن نخطوها، وألا نخيب أمل الملايين فينا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s