لماذا «الرئاسية» أولاً؟

IMG_0132

نشأت الدولة فى مصر منذ القدم دولة مركزية، دولة رأس، تلعب فيها السلطة المركزية دوراً أساسياً لا يمكن تجاهله، يلعب المركز دور القطب الجاذب الذى تنتظم حوله بقية مكونات الدولة. ليس هذا مدحاً فى طبيعة الدولة فى مصر أو ذماً فيها، لكنه ببساطة وصف لحالة ووضع هو نتاج جغرافيا وتاريخ وعلاقات إنتاج ليس لأحد فينا يد فيها أو فضل. عندما كانوا يتحدثون سابقاً عن أهمية تحويل الدولة فى مصر إلى دولة لا مركزية كانت قناعتى دائماً أن هذا الأمر أقرب إلى مناحة الصخر منه إلى الواقعية، لأن تغيير هذا النمط لن يكون قرارا سياسيا يصفق له من يصفق، ولكنه سيكون نتاج عمل منظم على مدار عقود يتم به تغيير نمط الإنتاج القائم على التمركز حول النهر.

 

 

 

انطلاقا من هذه المقدمة السريعة أبنى عليها الإجابة عن السؤال الذى يحتل مقدمة اهتمامات المصريين وكل المهتمين بالشأن المصرى، أيهما أفضل أن تكون الانتخابات الرئاسية أولاً أم البرلمانية أولاً؟ وبناء على ما سبق فإن الاختيار هنا ليس ترفاً، ولكنه فى رأيى ضرورة ومحسوم إن كنا نريد اتباع الطريق الأصح، فإن مصر بلا رأس ستواجه حالة من الفوضى والتشتت التى سوف ندفع ثمنا غاليا لها، حيث اعتادت الدولة أن تكون رأسية التكوين وتحدى ذلك هو كتحدى طبيعة الأشياء الذى يؤدى إلى نتائج سلبية.

البدء بالانتخابات البرلمانية هو قرار بالتفريق أكثر منه قراراً بالحركة إلى الأمام، تخيل أن البلاد سوف تبدأ مواجهة انتخابات سوف يترشح فيها خمسة آلاف مرشح فى الحد الأدنى، مرشحون للزيادة، فإن هذا قرار بالانتحار الأمنى والسياسى، فى ظل غياب دولة واضحة الملامح محددة الاتجاه. التنافس القادم بين هذه الآلاف، فى ظل غياب الدولة المتماسكة، لن يؤدى إلا إلى حالة من التناحر العائلى والقبلى والجهوى والسياسى. هذا الوضع سوف تنتج عنه دولة منهكة قريبة من حالة التمزق وبدايات الصراع، وسوف يضاعف من الأثر غياب رأس للدولة قادر على الإمساك بالأمور وتخطى هذه الحالة. هذا واقع إنكاره سيؤدى إلى نتائج سلبية.

يضاف إلى ذلك أمر أظنه مهماً هو أن الحالة المزاجية العامة لدى المصريين تتجه نحو تفضيل إجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، فهناك رغبة داخلية تتوافق مع ما سبق شرحه من أن المصريين يعرفون ما يحتاجون ويتفق مع طبيعتهم. وقد بدا هذا فى الاجتماع الذى أقامه الرئيس عدلى منصور مع ممثلى القوى الشبابية، وكان عددهم ستيناً، وكان أحد الأسئلة المطروحة هو ذلك السؤال، وقد أجرى استطلاع رأى ثبت فيه أن الأغلبية العظمى من هؤلاء الشباب تفضل الانتخابات الرئاسية أولاً، حيث فضل سبعة وثلاثون منهم أن تكون الانتخابات الرئاسية أولاً.

إذا بدأنا بالانتخابات النيابية فإن هذا سيصل بنا إلى حالة من المناخ المحتقن، هذا المناخ لن يمكن المصريين من بناء أى حالة من التوافق على مرشح رئاسى رئيسى، بل سنرى استقطاباً حاداً سيؤدى إلى مخاطر حقيقية على مستقبل هذا الوطن. تحدى طبيعة الأشياء ليس حكمة، وتحكم مجموعة من أصحاب الصوت العالى فى مصير شعب، دون إرادته، لمجرد أنهم يمتلكون صوتاً عالياً ليس ديمقراطية، ومخالفة الاتجاه العام ليس ما كان يأمله المصريون بعد ثورتهم فى «يونيو».

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s