المقاتل الذى لا يقهر

نيلسون مانديلا

نيلسون مانديلا

ظللت أنصح كل أصدقائى بأن يشاهدوا فيلماً ترددت فى البداية أن أشاهده، لأننى اعتقدت أنه سيكون فيلماً مملاً حول رياضة الرجبى (كرة القدم الأمريكية) ومما تتسم به من عنف فى الأداء، قام منتجو الفيلم بإقحام شخصية نيلسون مانديلا فيه لأسباب تسويقية، إلى أن شاهدته على إحدى رحلات الطيران من باب تمضية الوقت، فكان أول ما فعلت بعد مغادرة المطار أن اشتريت نسخة من الفيلم لأشاهده مرة أخرى بتركيز وجودة أعلى، وأصبح هذا الفيلم من بين ترشيحاتى الأولى لأصدقائى، خاصة من لديهم أولاد فى عمر التكوين، هذا الفيلم هو فيلم إنفيكتوس (Invictus)، ومعناه فى اللاتينية «المقاتل الذى لا يقهر». القيمة الكبرى فيه لم تكن المستوى الفنى الذى كان مرتفعا بالفعل، ولكن كانت المفاهيم الأساسية التى يحويها الفيلم، وملامح الشخصية الآسرة للزعيم الأفريقى، الزعيم الإنسانى، نيلسون مانديلا، الذى قام بأداء دوره مورجان فريمان- القيم التى آمن بها مانديلا وعاش بها هى التى سوف تخلده.

مانديلا حاول بحنكته وحسن تدبيره أن يلغى الفروقات العرقية بين أبناء شعبه، لإدراكه أنه أضحى زعيما لكل مواطنى جنوب أفريقيا بسودها وبيضها، وبالتالى يحاول طمأنة البيض بأنه لن يصيبهم بأذى ماداموا اختاروا العيش فى جنوب أفريقيا، والإسهام فى نسيان الماضى الكئيب وآثاره الكارثية المدمرة، والعمل من أجل بناء المستقبل.

فى الفيلم، مانديلا يجتمع مع كابتن الفريق الأبيض، فى لقاء مشحون بالمشاعر الوجدانية، ويؤكد له دعمه غير المحدود لمنتخب الرجبى، ثم فيما بعد يتابع بنفسه تدريبات المنتخب، ويتحدث عن الإلهام الذى يغيّر الناس ويمحو إسقاطاتهم الذهنية المترسخة، خصوصا فى حالة جنوب أفريقيا التى عانت من التمزق والتحيزات العنصرية ردحاً طويلاً وقاسياً من الزمن.

مانديلا يحضّر الشاى لكابتن منتخب الرجبى، ما يشعره بالألفة والأخوية والحميمية، ويروح يتحدث له عن فترة الاعتقال التى أمضاها فى زنزانة ضيقة، لكنها رحبة باتساع الكون، ثم يهديه قصيدة كان يتغنى بها مانديلا طوال الوقت، فتمده بالعزيمة والصبر والقدرة على الاحتمال لمعانقة فجر الحرية والانتصار الذى تحقق بعد 27 عاما من الاعتقال، انتقل بعدها السجين السياسى المضطهد ليصبح زعيما لبلاده، وينهى أزمنة العسف والظلم والتمييز العرقى، ويعيد لمواطنى بلاده الحرية والعدالة والإحساس بأن الماضى قد جرى دفنه، وأن المستقبل هو ما يتعين التحديق فيه والاستثمار فى طاقة الأمل الآتية من آفاقه. جنوب أفريقيا فقدت زعيمها وأباها، كما يطلقون عليه، ظلوا يصلون من أجله، ترتيلاً ورقصاً وغناء. شباب صغير لم يعرف ويلات التمييز العنصرى إلا من خلال الكتب، يتحدث عن مانديلا وكأنه يعرفه وعايشه رغم اختفائه عن الساحة منذ فترة. كيف استطاع هذا الرجل أن يكون هذا الإنسان؟؟ سؤال ليس من اليسير الإجابة عنه فى سطور، ولكنى بحق أنصح بأن يغوص من يريد أن يعرف فى تاريخ هذا الرجل.

قصة مانديلا هى نموذج يجب أن يدرس، وأن يكون حاضرا دائما، هو نموذج يؤكد أن القائد الحقيقى يمكن أن يكون مصدر إلهام لشعبه، إن هو استطاع أن يعرف كيف يوحّد قواه ويستنهض همته. من أقوال مانديلا: «القائد الحق يقف فى الخلف ويضع الآخرين فى المقدّمة عندما يحتفل بالانتصار، وأن يكون بالمقدّمة فى حال الخطر. عندها، سيقدّر الناس قيادته لهم».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s