عقدة ثلاثين يونيو والحلم الضائع لأردوجان «1-2»

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

لماذا لاقى طرد السفير التركى بمصر ترحيباً واسعاً من المصريين، واعتبروه قراراً يرد الاعتبار والكرامة الوطنية لمصر، بعد طول صمت وصبر أمام المواقف التركية المعادية والمسيئة؟ والسؤال الآخر: لماذا لم يدر بخلد أى مصرى أن لديه مشكلة مع الشعب التركى؟ أظن أن الإجابة عن السؤالين يمكن أن تتداخلا، فعلاقة المصريين بالأتراك هى علاقة تاريخية، والإحساس المصرى بأن العلاقة مع الأتراك هى علاقة ود وعشرة طويلة وتقارب فى الشخصية هو إحساس راسخ لا يتأثر بحماقات النظام التركى أيا ما كان، سواء نظاما عثمانيا أو نظاما أردوجانيا.

الجديد والأهم هو قرار طرد السفير التركى من القاهرة، سبق لمصر أن سحبت سفيرها منذ عدة أشهر كجرس إنذار لأردوجان، وتحملت كثيراً وصبرت، ووافقت على عودة السفير التركى فى أكتوبر الماضى، لعل أردوجان يراجع نفسه ويرتدع، لكنه ظل يتمادى فى مواقفه المعادية لمصر وشعبها وجيشها وثورة 30 يونيو، الجديد والرسالة الواضحة هنا هى طرد السفير التركى من القاهرة واعتباره شخصية غير مرغوب فيها.

مشكلة أردوجان مع مصر ليست فى تصريحاته التى يتدخل بها فى الشأن الداخلى فحسب، رغم أن هذا مرفوض، بل إنه يلاحق جهود مصر وخطواتها الخارجية، محاولاً إفشالها واستعداء العالم عليها، كما أنه يستضيف ويرعى التنظيم الدولى للإخوان ومؤامراته ضد مصر.. لقد دخل أردوجان فى تنافس مع شيوخ الدوحة فيمن يجتذب نحوه العدد الأكبر، لكنهم فى النهاية يعملون من أجل هدف واحد وينسقون الجهود لتنفيذه، وهو تدمير إرادة الشعب المصرى لصالح جماعته جماعة الإخوان.

من اللحظات الصعبة على أى إنسان أن يشهد حلم حياته وهو ينهار أمام عينيه ولا يملك أن يفعل شيئا، يصاب بالغضب، بالحزن، بالعصبية أو بالاكتئاب، هذه الحالة تجعل القدرة على التحكم فى النفس صعبة للغاية، وبالتالى ينعكس كل هذا على ردود أفعاله. كانت هذه حالة رجب طيب أردوجان، رئيس الوزراء التركى، الزعيم الوحيد الذى بدا غاضبا ومرتبكا وتخلى عن حذره فى التعليق على ثورة المصريين فى 30 يونيو، وبينما تحفظت دول العالم التى لها موقف متشكك مما حدث فى مصر، موقف الترقب حتى انجلت الصورة، لم تطلق دولة على ما حدث فى مصر وصف الانقلاب بشكل رسمى، حتى وإن اتخذ الإعلام فيها موقفا محايدا على الطرف التركى، قرر زعيمها مهزوز الشعبية، على عكس جميع زعماء الدول الأخرى، أن يتخذ موقفا شديد العداء للمصريين، وأطلق تصريحات ضد الجيش المصرى لأنه تحيز لما سماه الأقلية (هذه الأقلية التى خرجت يدور عددها حول رقم ثلاثين مليون مصرى على الأقل).

يبدو أن تاريخ الثلاثين من يونيو يشكل أزمة شخصية فى عقل أردوجان، فى ذلك التاريخ 30 يونيو عام 1979 بعد عام واحد على تولى نجم الدين أربكان، الأب الروحى للإسلام السياسى فى تركيا- أسقطه الجيش التركى فى رابع انقلاب له منذ عهد كمال أتاتورك- رئاسة الوزراء، بعد أن نادى إلى التقارب مع إيران والبعد عن «الغرب الكافر». فى هذه الفترة كانت بداية أردوجان حياته السياسية برعاية أربكان.

بعد عدة أشهر من عزل أربكان وفى نفس العام ألقى أردوجان خطابا وسط مؤيديه قائلا: «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا»، بسبب هذه الكلمات التى ألقاها أردوجان وسط مؤيديه سجن لمدة أربعة أشهر بتهمة إثارة الفتنة والتحريض على الكراهية الدينية، كان ذلك بعد أربعة أشهر من عزل أربكان.

أدرك أردوجان أن الطريق الصحيح للتسلل إلى منطقة السيطرة على المسرح السياسى لا يمكن الوصول إليه إلا باتباع أسلوب لا يصطدم بما يقتنع الأتراك به من أن الحفاظ على مدنية الدولة هو أمر غير قابل للمساومات السياسية، لذلك فقد وصل إلى قناعة بأن يسلك طريقا طويلا ملتويا لتحقيق هدف الوصول للسلطة، ووجد أن الطريقة الأمثل هى تبنى صورة إسلام أكثر وسطية، هذا الاختيار هو القادر على الصمود أمام جيش وضع هدفه الرئيسى التصدى لأى محاولة تغيير لهوية تركيا المدنية، وبذلك نجح بالفوز فى انتخابات رئاسة الوزراء فى عام 2003، وفى أول خطاب له أعلن عن نيته دعم ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، هذا الانضمام المستهدف كان يتطلب تأكيد الالتزام بحقوق المواطنين، وفى ظاهره يؤكد مدنية الدولة، ولكن فى باطنه يضمن تقليص صلاحيات الجيش. ووجد الجيش نفسه عاجزا عن التحرك لمواجهة ما اعتقده خطرا على مدنية الدولة، لأنه لو اتخذ موقفا مضادا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبى كان ببساطة سيصطدم بمطلب المدنيين وحماسهم الانضمام للاتحاد الأوروبى، ولا يستطيع وهو الذى قام بالانقلاب على أربكان بدعوى حمايتهم أن يتخذ موقفا يتحدى به رغبتهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s