بعد أفغانستان وألبانيا فى انتظار «العائدين من سوريا»

أيمن الظواهري

كانت السعودية هى الدولة الرائدة فى الدعوة للجهاد فى أفغانستان، وكانت المحطة التى يمر منها كل الباحثين عن الجهاد فى مواجهة الدب الأحمر الشيوعى الذى تعد محاربته هى طريق الجهاد، فالشهادة، فالجنة. وكما لاحظنا فإن قيادة التنظيمات الجهادية فى أفغانستان وباكستان حُسم أمرها ما بين السعودية ومصر، فها هو أسامة بن لادن يحتل موقعه فى التاريخ ليأتى بعده المصرى أيمن الظواهرى. أذكّر بهذا لأشير للموقف السعودى هذه الأيام من الداعين إلى الجهاد فى سوريا بعد أن اكتوت واكتوينا من تجربة أفغانستان التى أنجبت للبشرية تنظيم القاعدة وتوابعه. وقد عانت مصر مع دول عربية وغير عربية من أولئك الذين أطلق عليهم الأفغان العرب تارة والمجاهدون العرب تارة أخرى، وعرفت قضاياهم الجنائية باسم «العائدين من أفغانستان».

 

هذه المرة تعلمت السعودية الدرس كما تعلم غيرها، فلاحظنا أن السلطات السعودية تضاعف تحذيراتها من «التغرير بالشبان» خشية تكرار تجربة العائدين من أفغانستان والعراق، إثر تقارير حول شبان يقاتلون فى سوريا، حيث تعلن مواقع التواصل الاجتماعى مقتل العديد منهم. وقد طالب الملك عبدالله بن عبدالعزيز، مؤخرا، بتغليظ الأحكام لمن «يغررون بالشباب». ونُسب إليه قوله: «سمعت مع الأسف أن هناك أشخاصا يلتقون بالشباب ويغررون بهم، وهذا الأمر يجب أن يكون الحكم فيه ليس السجن فقط (…) لقد غرروا بأطفالنا، فمنهم من قُتل ومنهم من حُبس».

 

التوقع اليوم هو أن العائدين من سوريا سيشكلون القنبلة الإرهابية القادمة إلى كثير من دول العالم، وكما شكل العائدون من أفغانستان موجة خطيرة من الإرهاب فى عدد من الدول، وفى مقدمتها مصر، سيكون العائدون من سوريا هم الأخطر من جميع المناحى، وقد عانت بعض الدول من موجات إرهابية من العائدين من أفغانستان وألبانيا والبوسنة والشيشان.

 

تقدر عدة مصادر المقاتلين الأجانب فى سوريا بين مائة ومائة وثلاثين ألف شخص يتوزعون على مجموعات عدة وتحت مسميات إسلامية مختلفة، وهم يشكلون المجموعات الأقوى بين المجموعات التى تحارب النظام السورى، ولهذا يمكن القول إن هذه الجماعات تشكل العمود الفقرى لمعارضى النظام السورى بالفعل، حتى الجيش الحر يتشكل جزء كبير منه من الإسلاميين أيضا، ولكن الأقل تشددا، ويقدر عدد المقاتلين الأجانب فى سوريا بمائة ألف جاءوا من 83 دولة. الدول العربية تتصدر التسع الأوائل بين هذه الدول، ويلاحظ أيضا أن الدول التى سيطر عليها الإخوان أرسلت عددا كبيرا من هؤلاء، تركيا، ومصر، وليبيا، وتونس، واليمن، وغزة حماس، أما السعودية فهى تحتل المركز الأول من حيث عدد المقاتلين هناك.

 

مفتى عام السعودية، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، حذر من الدعوة إلى الجهاد فى «الدول المنكوبة»، معتبرا أنه «باب للتهلكة»، خصوصا فى ظل الانفلات الذى تشهده التنظيمات المسلحة التى «لا تقاتل تحت راية واحدة». وقال: «لا يعد هذا جهادا، إذ لا يعلم المرء تحت أى لواء ينخرط، ما يوقع الشباب فى فخ وأهداف الأعداء»، مشيرا إلى أن الجهاد دون موافقة ولى الأمر يدخل ضمن مفهوم «الجاهلية». وعلى الرغم من هذا فإن تدفقهم إلى هناك بات حقيقة واقعة علينا التعامل معها.

 

كنا قد تورطنا فى نهاية السبعينيات عندما قرر من قرر من قادة الدول العربية والإسلامية الترويج والدفع بالشباب للذهاب إلى أفغانستان للدفاع عن الإسلام- كما كانوا يدعون فى ذلك الوقت- ضد الشيوعيين الملاحدة، وقد يذكر بعضنا تلك الدعوات الإعلامية والإعلانية والسياسية الفجة فى تلك الفترة، والتى كانت تحفز وتشجع، ولم يدرك وقتها من قام بهذا الفعل أنه إنما يزرع علقما يذوق منه العالم وبلادنا بعد ذلك عندما عاد هؤلاء الشباب الذين غررت بهم حكوماتهم وإعلامهم وسياسيوهم ورجال الدين، فذهبوا شبابا مخدوعا وعادوا قنابل موقوتة انفجرت فى مجتمعاتها بعدما عادوا وهم مسلحون بفنون القتل والتفجير، والأهم من ذلك بالفكر المبرر والمشرع لذلك. ذهبوا شبابا وعادوا تحت مسمى «العائدون من أفغانستان» أو «الأفغان العرب». واليوم نواجه نفس المخاوف من القادم بعد أن أصبحت سوريا تقوم مقام أفغانستان فى هذه المرحلة، ذهب الشباب هناك ليقاتلوا- تحت أى مبرر ولأى هدف- لنتوقع عودتهم تحت لافتة «العائدون من سوريا».

 

المقصود هنا بالأفغان العرب تلك المجموعات ممن أطلق عليهم وصف المجاهدين العرب من غير الأفغان الذين شاركوا فى الحرب ضد السوفييت والحكم الشيوعى فى كابول.

 

خبرة الحرب الأفغانية على الأفغان العرب أضافت إقامة علاقات واسعة مع الجماعات الإسلامية العنيفة على مستوى عالمى، وأقامت شبكة علاقات واسعة بأثرياء العرب الذين قاموا بتمويل عمليات القتال فى أفغانستان، وكانت البيئة الأفغانية فرصة للتدريب العسكرى.

 

وهكذا أصبح مصطلح «الأفغان العرب» الأكثر ترددا بين وسائل الإعلام العالمية، وبين صناع القرار فى العالم منذ اندلاع الحرب الأمريكية فى أفغانستان، وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على القضاء عليهم وعلى من يأويهم وتصفيتهم لا كظاهرة سياسية فحسب، بل تصفيتهم بدنيا أيضا باعتبار أنها تراهم صاروا قرينة على الضلوع بكل الأعمال الإرهابية الموجهة ضدها وضد مصالحها المنتشرة فى العالم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح لدينا أيضاً العائدون من ألبانيا، والآن نستعد لاستقبال العائدين من سوريا.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s