عندما احتفل الصوماليون بإشارة المرور

Two-black-traffic-lights-on-cross-pole-showing-green-light-and-green-arrow-left-turnلا أعرف إن كان خبرا يوضع فى قسم الأخبار الطريفة أو فى «صدق أو لا تصدق»، إنه خبر ذو دلالة سياسية وجرس إنذار جدير بنا أن نتوقف أمامه متمعنين، محاولين فهم دلالات انهيار الدولة. الخبر يقول باختصار إنه لأول مرة منذ عشرين عاما تعود شرطة المرور إلى شوارع العاصمة الصومالية مقديشيو، للتعامل مع جيل من السائقين لم يعرف أنظمة المرور أبدا، فضلا عن أن معظم السيارات فى مقديشيو لا تحمل لوحات وأرقاما، ما يصعب على الشرطة توثيق المخالفات المرورية. وقد بدأت الحكومة الصومالية مؤخرا وضع إشارات المرور وعلامات الطرق على بعض التقاطعات الرئيسية فى العاصمة، سيتم تركيب إشارات سير ضوئية بعد عشرين عاما أيضاً.

ليس فقط شرطى المرور هو الذى غاب بزيه وصافرته عن شوارع العاصمة الصومالية خلال العشرين عاما الماضية، بل إن هذا الاختفاء كان جزءاً من اختفاء جماعى لكل ملامح الدولة وبالتالى انحسارا، إن لم يكن انعداما، لكل أشكال الهيبة المفترضة ولو بحدها الأدنى. حيث اعتاد سائقو السيارات على القيادة فى شوارع المدينة فى أى اتجاه دون التقيد بأنظمة المرور، وهذا انعكاس لحالة الدولة التى غابت عنها كل مقومات الدولة الأساسية بمفهومها القديم أو الحديث. كانت الصومال جزءاً من تاريخ القارة الأفريقية ودول القرن الأفريقى، لكن انتهى بها الحال إلى دويلات قزمة تسيطر عليها ميليشيات لا تعرف إلا السلاح وسيلة وحيدة لفرض سطوتها، هكذا الوضع هناك منذ حوالى عشرين عاما، واستمر هكذا متفاعلا مع التطورات السلبية التى أكدت حالة الانقسام والتناحر، وباتت اللغة الوحيدة هى لغة العنف والسلاح. وانعكس هذا الواقع على العلاقة بين الناس والشرطة، حيث إن هذا الواقع فرض شكلا من العلاقة الجديدة التى باتت تبدو غريبة، وأكثر ما يقلق القائمين على الأمر فى الصومال هو التعامل مع جيل جديد من السائقين الذين لا يحملون رخص قيادة السيارات التى تم استحداثها مؤخرا. كما أن هذا الجيل لم يعرف فى حياته شرطى المرور ولا يعرف علامات الطريق، وبالتالى ينظرون إلى شرطى المرور الذى بيده الصافرة باستخفاف، وقد يصل الوضع ببعضهم إلى تهديده.

ويشير قائد شرطة المرور فى مقديشيو إلى هذا الوضع، وقد علت وجهه ابتسامة استغراب، كما صرح لوكالات الأنباء: «يأتينى بعض مالكى السيارات التى يتم احتجازها بسبب المخالفات التى ارتكبها سائقوها، ويهددوننا باستخدام السلاح إذا لم نفرج عن سياراتهم، وينظرون إلينا كأننا عصابة استولت على سيارته». ويضيف: «يحدث أحيانا أن تضبط شرطة المرور سيارة بسبب مخالفة ارتكبها سائقها، فيتصل السائق بميليشيات قبيلته لتنقذه ويقول لهم إن سيارتى تتعرض للسطو». وتعانى شرطة المرور من نقص شديد فى العدد والعتاد، حيث يبلغ عدد عناصرها نحو 170 فردا فقط، ويملكون دراجة نارية واحدة لمطاردة المخالفين. وتتم الاستعانة أحيانا برجل شرطة مسلح بغرض حماية رجال المرور العزل. فالسائقون يتجاهلون التعليمات التى يصدرها رجل الشرطة، ويكون حضور رجل الشرطة المسلح مهمّا عندما يتعلق الأمر بتسجيل السيارة أو وضع الأرقام الحكومية عليها، حيث يتم اصطحاب السيارة إلى مركز شرطة المرور ويتم احتجازها حتى تدرج فى السجلات الرسمية. الأمر السائد فى مقديشيو خلال السنوات الماضية هو أنه فى حالة حدوث صدام بين سيارتين، فإن صاحب السيارة الأكثر تضررا هو الذى يطالب بالتعويض، وإن كان هو الطرف المخطئ، ولذلك نلقى صعوبة فى إقناع المخطئ بدفع التعويض وتحمل تبعات خطئه المرورى. ومن الأمور المعتادة أيضا استخدام السلاح للهرب من الزحام المرورى فى مقديشيو. ويقول محمود: «أحيانا يطلق السائق بعض الرصاصات من بندقيته فى الهواء كى يفسح الآخرون له الطريق ويترك الآخرين مكدسين فى الشارع». الانفلات المرورى فى شوارع مقديشيو هو نتيجة للانفلات الأمنى والسياسى فى عموم البلاد، وهذا ما يعطى الانطباع بأن نجاح السلطات الصومالية فى تطبيق أنظمة المرور على سائقى المركبات بشكل فعال يحتاج إلى وقت طويل. المشكلة الأخرى التى تواجه شرطة المرور فى مقديشيو هى تسجيل المركبات، فاستيراد السيارات يتم بشكل عشوائى عبر عدد من المنافذ البحرية التى لا تخضع لسيطرة الحكومة الصومالية ولا تحمل أى أرقام، وبناء على ذلك فإن معظم السيارات التى تسير فى شوارع مقديشيو غير مسجلة ولا تحمل أرقاما رسمية وبعضها يحمل أرقام الدول التى استوردت منها، ويتم بيعها فى الأسواق المحلية مثلها مثل أى بضاعة أخرى عادية. ويستوثق المشترون من سمعة تاجر السيارات أو يطمئنون إلى قبيلته للرجوع إليها فى حالة وقوع نزاع محتمل حول ملكية السيارة.

هذا الخبر بتفاصيله، الذى يبدو طريفا وقد يدفع للابتسامة، هو نتاج لانهيار الدولة، أتذكر وجوه أفراد الميليشيات الصومالية المختلفة وهم يركبون سياراتهم ذات الدفع الرباعى، ويحملون أسلحة مميتة، ويعلو وجوههم الإحساس بالقوة والفخر بما يفعلون، هم لم يدركوا وقتها أن هذه القوة وهم ومخدر تهيئ لدفع الدولة للانهيار، إحساس وقتى بمتعة السيطرة انتهى بتمزيق الدولة إلى شرائح وأضاع هيبة الدولة حتى وصلوا إلى حالة يعتبرون فيها وجود إشارة مرور إنجازا عظيما. الحفاظ على الدولة هو تحصين للمستقبل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s