الرجل الذي لم يحقق أحلامه “السلطانية”

منذ ازاحة مرسي عن الرئاسة، لم تهدأ الحرب التي أعلنتها تركيا ضد مصر شعبا وحكومة، وبدا واضحا حجم الصدمة التي أصابت النظام التركي الذي بدأ يفقد مصداقيته داخل تركيا بعد ان انكشف أيضاً حقيقة تحالفه مع التنظيم الدولي للاخوان. في إطار هذه الحرب العدائية تعددت الممارسات التركية المعادية لمصر ابتداء من تصريحات مسؤول يهم بمختلف مستوياتهم وحتى تأمين السماء الآمنة والدعم الكامل لاجتماعات التنظيم abd el latif (1)الدولي وحلفائه في عدة مدن تركية.واكدت العديد من وسائل الاعلام ان تركيا قد احتضنت ورعت اجتماعات “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، الذي يخطط قادته لإثارة الفوضى بمصر.
  كان آخر التجليات التركية ما قاله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في كلمته خلال الجلسة الختامية لاجتماع التشاور والتقييم لحزب “العدالة والتنمية: “إن إشارة رابعة أصبحت علامة تندد بالظلم والاضطهاد والمذابح في كل أنحاء العالم”، اعتاد هذا السياسي التركي أردوغان الذي كان أول من رفع شعار “رابعة”، ثم سار جميع الإخوان بالعالم على نهجه، ان يتحدث عن مصر وكأنها ولاية عثمانية أو تركية، هذا الأسلوب لا يمكن وصفه الا بانه يفتقر الى اي مستوى محترم او أخلاقي في مجال العلاقات بين الدول. ومع محاكمة مرسي أصدرت الخارجية التركية بياناً بالتزامن مع أولى جلسات المحاكمة طالبت فيه الحكومة المصرية بالإفراج عن كل السجناء السياسيين بمن فيهم مرسي. وقالت: “إن تركيا وقفت دائماً إلى جانب مبدأ الشرعية”، في إشارة إلى أن مرسي هو الرئيس الشرعي.
صحيح ان وزارة الخارجية المصرية أصدرت بيانا مساء الثلاثاء الماضي عبرت فيه عن بالغ الاستياء والإدانة لما ذكره رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في كلمته، وأشار البيان إلى أن المسؤولين الأتراك يصرون على تزييف الحقائق، وتحدي إرادة الشعب المصري، وكان آخرها بيان وزارة الخارجية التركية، الاثنين، والذي يعد تدخلاً غير مقبول في الشأن الداخلي المصري. ولكن يظل السؤال: هل هذا يكفي؟
 الموقف التركي المعادي لثورة 30 يونيو ثابت ولم يتغير، وهذا الثبات يرجع لشخص أردوغان المحكوم بموقف إيديولوجي وعقائدي داعم للإخوان ومرسي منذ البداية، مغامراً بشرفه السياسي.
وقد تصاعدت مرة أخرى، حدة اللهجة التركية الساخنة ضد المصريين، وتوالت التصريحات المعادية لتصيب العلاقات المصرية – التركية بالمزيد من التدهور الذي كان قد ترافق مع قيام الشعب المصري بثورة 30 يونيو ضد جماعة الإخوان المسلمين وعزل مرسي.
الموقف التركي كان مبكرا في غضبه من تحقيق المصريين لإرادتهم يوم الثلاثين من يونيو، فبينما تحفظت دول العالم التي لها موقف متشكك مما حدث في مصر موقف الترقب لحين انجلاء الصورة فلم تطلق دولة على ما حدث في مصر وصف الانقلاب بشكل رسمي، حتى وان اتخذ الاعلام فيها موقفا محايدا، على الطرف التركي قرر زعيمها المهزوز الشعبية على عكس جميع زعماء الدول الأخرى ان يتخذ موقفا شديد العداء للمصريين، وأطلق تصريحات ضد الجيش المصري لانه تحيز لما سماه الأقلية (هذه الأقلية التي خرجت يدور عددها حول رقم أربعين مليون مصري)، وانتقد ما أسماه ازدواجية معايير الدول الغربية لعدم تسميتها ما يحدث بمصر بالانقلاب وعدم الدفاع عن مبادئ الديمقراطية وشرعية الصندوق (من وجهة نظره) وأعرب عن تقديره للاتحاد الأفريقي لتعليق عضوية مصر، ولكنه قد يغير موقفه إذا ما تغير موقف الاتحاد الأفريقي كما هو متوقع بعد زيارة وفدهم لمصر مؤخراً.
يبدو ان تاريخ الثلاثين من يونيو يشكل أزمة شخصية في عقل اردوغان، في مثل هذا اليوم 30 يونيو (حزيران) ولكن في عام 1979 بعد عام واحد على تولي  نجم الدين أرباكان، الأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا، أسقطه الجيش التركي – في رابع انقلاب له منذ عهد كمال أتاتورك – من رئاسة الوزراء بعد أن نادى إلى التقارب مع إيران والبعد عن «الغرب الكافر». في هذه الفترة كانت بداية أردوغان حياته السياسية برعاية ارباكان.
بعد عدة أشهر من عزل أرباكان وفي نفس العام ألقى أردوغان خطابا وسط مؤيديه قائلا: «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا»، بسبب هذه الكلمات التي ألقاها اردوغان وسط مؤيديه سجن لمدة أربعة أشهر بتهمة إثارة الفتنة والتحريض على الكراهية الدينية، كان ذلك بعد أربعة اشهر من عزل أربا كان.
أدرك أردوغان ان الطريق الصحيح للتسلل إلى منطقة السيطرة على المسرح السياسي لا يمكن الوصول لها إلا باتباع أسلوب لا يصطدم بما يقتنع الأتراك به من ان الحفاظ على مدنية الدولة هو أمر غير قابل للمساومات السياسية، لذلك فقد وصل إلى قناعة بان يسلك طريقا طويلا ملتويا لتحقيق هدف الوصول للسلطة، ووجد ان الطريقة الأمثل هي تبني صورة إسلام أكثر وسطية، هذا الاختيار هو القادر على الصمود أمام جيش وضع هدفه الرئيسي التصدي لأي محاولة تغيير لهوية تركيا المدنية، وبذلك نجح بالفوز في انتخابات رئاسة الوزراء في عام 2003، وفي أول خطاب له أعلن عن نيته دعم ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، هذا الانضمام المستهدف كان يتطلب تاكيد الالتزم بحقوق المواطنين، وهو أمر في ظاهره يؤكد على مدنية الدولة، ولكن في باطنه يضمن تقليص صلاحيات الجيش. ووجد الجيش نفسه عاجزا عن التحرك لمواجهة ما اعتقدوه خطر على مدنية الدولة لانهم لو اتخذوا موقفا مضاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لانه ببساطة كان سيصطدم بمطلب المدنيين وحماسهم الانضمام للاتحاد الاوربي، ولايستطيع وهو الذي قام بالانقلاب على أرباكان بدعوى حمايتهم ان يتخذ موقفا يتحدى به رغبتهم. وعلى مدى السنوات العشر التالية نجح أردوغان تدريجيا في السيطرة على الحكومة والشرطة والرئاسة والمحكمة الدستورية وأغلق المؤسسات الإعلامية المعارضة وزج بكل صحافي معارض لنظام الحكم في السجن. تمكن أردوغان من تحقيق اهدافه إنما على مدار عشر سنوات، والأهم أنه اهتم بالاقتصاد وحول تركيا من دولة على وشك الإفلاس إلى واحدة من الدول الأكبر اقتصادا في العالم.
لكنه يظل ينتمي الى عقيدته الاولى كجزء من تنظيم أممي كان يحلم من خلاله ان يرتدي تاج السلطان العثماني في العصر الحديث ولكنه فيما يبدو لم يجد الا “تاج الجزيرة”.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s