السياسة هى فن الرخاء لا الإفقار

2013052113691401650«إيه أخبار الأوضاع فى بحرى؟».. هذا هو السؤال الذى بادرنى به سائق التاكسى الذى ركبت معه من بين العشرات من سيارات التاكسى التى تصطف أمام مطار أسوان، انتظارا لرزق يأتى على يد زائر لأجمل مشتى صافحته عينى، لكن هذا الزائر بات عملة نادرة هذه الأيام، لذلك فإن الفائز «بتوصيلة» يكون قد حقق إنجازا يشكر الله كثيرا عليه. امتلأت الطائرة عن آخرها والسبب هو إلغاء معظم رحلات اليوم لعدم وجود ركاب كافيين لحركة الطيران المعتاد، لذلك كان القرار بأن تخرج رحلتان أو ثلاث فى اليوم بدلا من رحلات كانت تقترب من العشر رحلات يوميا. من بين الركاب نادر جداً أن تجد أجنبيا، عدد لا يتعدى أصابع اليد كانوا من بين الركاب، يبدو أنهم إنجليز قرروا تحدى تحذيرات سلطاتهم، التى ألغيت نسبيا منذ يومين فقط، ليستفيدوا من الأسعار المنخفضة بشكل كبير جداً.

هذا التوقيت من العام هو موسم الذروة، أو هكذا كان. كرر على السائق السؤال: «إيه أخبار الوضع فى بحرى؟» لأفيق من صدمة المشهد الخاوى وأجيبه أن الأوضاع قد لا تكون فى أحسن حالاتها، لكنها بالتأكيد سوف تتحسن لأنه ليس لدينا خيار آخر وأسأله: «أظن أوضاعكم هنا ليست جيدة»، ولا ينتظر لأنهى جملتى حتى يقفز عليها لينطلق شارحا وشاكيا من حالة الجمود والركود التى يعانى منها كل أهل أسوان، ويتمتم وكأنه يحدث نفسه: «خسرنا أحسن الأيام، مالها كانت أيام مبارك كان أجمل شغل عملناه فى السياحة».

ملامح الاعتناء بالمدينة مازالت باقية، لكن يبدو فى الوقت ذاته أنها عناية قديمة لا تجد من يستمر فيها، وأسأله مرة أخرى: «هل الإخوان يسببون مشاكل هنا؟» فيرد: «بالقطع (لا)»، «شوية منهم بيطلعوا بعد العشا يلفوا فى الشوارع ويروحوا». الطريق إلى المدينة وشوارعها تقريبا خاوٍ ما يسمح له بالانطلاق بسرعة بالسيارة، السرعة القصوى فوق جسم خزان أسوان كما تقول اللافتة 30 كم، بينما عداد السرعة فى التاكسى يقترب من 120 كم.

النيل هنا ليس فقط فى أجمل تجلياته، لكن هو مشهد ينافس أكثر مشاهد الطبيعة جمالا، صخور الجرانيت والجزر الصغيرة وحركة المياه تكون مشهدا خلابا، لكن مراكب كثيرة اصطفت على أحد الشواطئ ترفع راية الخواء فيفسد الواقع جمال المشهد.

«مصر علمت العالم»، هو كتاب للدكتور وسيم السيسى، اصطحبته معى لأقرأه وتوقفت كثيرا أمام جملة نسبها إلى أحد آلهة المصريين القدماء «أنوبيس» «السياسة هى طب الشعوب، لأن السياسة هى فن الإنتاج، والإنتاج هو الاقتصاد، ونحكم على مدى نجاح سياسة الحكم بكلمة واحدة، ألا وهى الرخاء». أصاب أنوبيس إلى من يدعى أنه يمارس السياسة ولا يضع فى اعتباره المفهوم الراسخ والحقيقى بأن السياسة هدفها الرئيسى تحقيق الرخاء لأبناء الوطن، أنه يقع فى خطيئة كبرى، وإذا ما طبقنا هذا المبدأ على من يمارسون فعل السياسة فى مصر هذه الأيام فسوف نكتشف أنهم جميعا مجرمون، وعلى رأس هؤلاء تقف الحكومة التى تدير أحوال المصريين وستتركهم يغرقون فى مشاكل وينشغلون هم فى ممارسة السياسة اللفظية التى تفرق الناس ولا تجمعهم ولا يختلف عنهم فى هذا بقية الساسة أو من يطلقون على أنفسهم هذا الوصف.

من حق هذا الشعب أن يعود ليشعر بأن هناك أملا وبأن ما فعله هو الثمن الذى دفعه، والأخطاء التى وقع فيها سوف تؤدى فى النهاية لأن يعيش حياة أفضل، ومن غير المقبول أن يظل الخذلان هو كل ما يحصل عليه سياسيوه، ومن يدعون قيادته، وأن يكون الخواء هو ما يشهده أهل هذا البلد فى الأماكن التى كان من المفروض أن تكون مصدرا لرخائه. عندما وصلت إلى الفندق كنت قد قررت «ألا أفاصل» السائق فى أجرته وأعطيته ما طلب، وكانت سعادته بهذا الرزق القليل دليلا على فشل من يدعون أنهم يمارسون السياسة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s