آن الأوان لغلق ملف المصالحة بين فتح وحماس

264176_244775175644906_34795701_n

أعلم أن البعض سوف ينبرى لتكذيب ما أقول، والتدليل على أن «حماس» انتصرت على العدو الإسرائيلى أكثر من مرة. وهنا أطلب ممن يعتقد هذا الاعتقاد أن يعود بذاكرته إلى ما يعتبره انتصارات حمساوية على إسرائيل، ليكتشف ما الثمن الذى دفعه الفلسطينيون من أرواح ودماء، وما حجم الخسارة التى مُنِىَ بها الجيش الإسرائيلى، وسوف نكتشف أن هذه الانتصارات المُدَّعاة لم تكن إلا انتصارات كلامية وخطابية، وكنا متعاطفين معها ونصدقها، لأننا كنا نبحث عن انتصار حتى لو كان وهما.

يخرج البعض ليقول إن «(حماس) تحولت إلى قاعدة مقاومة عسكرية ضدّ الكيان الصهيونى، وقد ثبَّت هذه الحقيقة التى تأكدّت من خلال انتصارها فى صدّ حربيْن عدوانيتين كبيرتين فى العامين 2008/2009 و2012، كما تأكدّت من خلال صمودها فى وجه حصار عسكرى وسياسى واقتصادى دام إلى الآن وعلى مدى أكثر من ست سنوات، وإن هذا الوضع يكرس لما تعنيه من أهمية استراتيجية عسكرياً وسياسياً، عظيمة الأبعاد، بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والشعب الفلسطينى والأمّة العربية والإسلامية، (مع إشارة خاصة إلى أهميتها الاستراتيجية العسكرية بالنسبة إلى الأمن القومى المصرى)». وهنا أسأل: أى أمن قومى مصرى يتحدثون عنه وهم الذين يستعرضون قواتهم فى عرض عسكرى يرفعون فيه شعار الإخوان المسلمين وعلامة «رابعة»، وكأنهم يتوعدون؟ لقد وفرت علينا «حماس» جهد إثبات أولويات الولاء لديها، وكشفت عن نفسها كجناح عسكرى لتنظيم دولى ليس هدفه بالتأكيد الفلسطينيين، ولكن أهدافه هى أهداف التنظيم التى تتخطى حدود الوطن والمواطنين. أما الإشارة إلى أن «حماس» تشكل قاعدة المقاومة العسكرية فإن هذا بات فى حاجة إلى إعادة نظر.

مع أحداث يناير التى أطاحت فى نهايتها بالرئيس الأسبق، حسنى مبارك، ومع كشف التورط الواضح لحماس، بدأت الصورة الحقيقية تظهر أمام المصريين، وبدأت «حماس» تخسر كل يوم تعاطف الشعب المصرى، خاصة بعد معرفة دور «حماس» فى الهجوم على عدد من السجون، يومى 28 و29 يناير 2011، وما ترتب عليه من خروج قيادات جماعة الإخوان التى كانت فى تلك السجون آنذاك، وآلاف عدة من السجناء الخطرين، ومقتل عدد من ضباط الشرطة والجنود، ثم الكشف المستمر لتفاصيل تورطها فى مرحلة حكم الإخوان، والكشف عن انتمائها، باعتبارها جزءا أصيلا من جماعة الإخوان المسلمين، بل هى الجناح العسكرى داخل تنظيم الإخوان. باختصار، وضح تماماً مدى ما تشكله من خطورة على الأمن القومى المصرى.

أكتب عن هذا الموضوع، اليوم، بمناسبة زيارة الرئيس الفلسطينى، محمود عباس أبومازن، إلى القاهرة، وأتمنى ألا يكون ملف المصالحة مع «حماس» هو أحد الموضوعات التى يحملها الرئيس الفلسطينى، محمود عباس، فى جعبته، فقد ثبت يقينا أن «بيزنس» المصالحة هذا لا تصب فوائده فى حساب الشعب الفلسطينى، بل له أرقام حساب مختلفة، منذ اختطاف «حماس» السلطة وسيطرتها على قطاع غزة، وطرد وقتل من انتمى إلى حركة فتح. قامت مصر طوال الفترة التالية بجهود حثيثة وصادقة- أشهد عليها- من أجل إزالة العوائق أمام المصالحة بين الفصيلين الأساسيين فى فلسطين، ورغم الإدراك المصرى وقتها لحالة المماطلة الواضحة من الطرفين، ومدى استفادتهما من استمرار الأوضاع على ما هى عليه، فإن المسؤولين المصريين وقتها لم يتوقفوا، وظنوا أن توقف الجهود لإحداث المصالحة سيكون بديله الاقتتال، وإضعاف الموقف الفلسطينى بشكل عام، مما يضر بالفلسطينيين أصحاب المصلحة الحقيقية.

كذلك نرجو أن يسمع «أبومازن» ممن سيلتقيهم من مسؤولين مصريين موقفا واضحا موحدا يعى أولويات الأمن القومى المصرى، وأن يطلبوا من «أبومازن» أن يتوقف عن التلاعب بملف المصالحة مع «حماس»، وأن يحسم موقفه ليقر بأن «حماس» باتت تشكل خطرا على الأمن القومى المصرى، وإضعافا للموقف الفلسطينى، وأن عليه، الآن، التحرك فى اتجاه مصالحة وطنية بين فصائل فتح الممزقة، لتوحيدها لمواجهة «حماس» التى اختطفت القطاع لتقيم إمارتها على حساب حلم الوطن الفلسطينى. سيكون غريبا أن يكون موقف المصريين شعبا ودولة من جماعة الإخوان المسلمين ما نراه، وأن يكون جهد المسؤولين المصريين يدفع فى اتجاه إيجاد مخرج، وقبلة حياة للجناح العسكرى لجماعة الإخوان، والذى يحمل اسم «حماس».

فى ظل هذه المعطيات بات واضحا أن استمرار «أبومازن» فى الإصرار على المضى قدما فى تحقيق مصالحة لن تتم مع فصيل حماس هو استمرار فى تضييع الوقت، ويلقى بظلال من الشك حول أسباب الإصرار على بذل الجهد فى قضية خاسرة، فمن المستفيد هنا، خاصة مع إصرار الطرف الآخر على عدم بذل جهد صادق فى قضية انشقاق «فتح» التى تمتلك من مقومات الحل أكثر بكثير من وهم المصالحة مع «حماس»؟ أظن أنه آن الأوان لأن نتوقف عما يسمى «المصالحة الفلسطينية»، المقصود بها ما بين «فتح» و«حماس»، وأن تبدأ الحركة فى اتجاه مصالحة فلسطينية بمفهوم استعادة الفلسطينيين مصيرهم المخطوف فى غزة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s