عداد الشرعية

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

خيب ظننا محمد مرسى، كما توقعنا جميعا فيما أظن، كان الأمل أن تكون محاكمته هو وعصبته فرصة لمراجعة مواقفهم وبدء خطوات جادة نحو المصارحة بالإثم الذى مارسوه لسنوات طويلة تركزت بشكل أساسى منذ أن اختطفوا منصب الرئاسة، كان الأمل أن يبدأوا أولى خطوات الشفاء من المرض العضال الذى أصبح ملمحا أساسيا فى شخصياتهم جميعا وفى سياساتهم وسلوكهم، وهو مرض الإنكار، لديهم قدرة غريبة بالفعل على الإنكار والاستمرار فيه بتشبث وعناد.

خرج علينا مرسى، وهو فى حالة متقدمة من هذا المرض العضال، حالة يبدو أنها اقتربت من أن يكون ميؤوسا منها. ما نشر وأذيع عن تفاصيل هذه الجلسة وما قبلها وبعدها يبين بجلاء هذه الحقيقة. لقد اقترب مرسى كثيرا من أن يكون قد أصيب بلوثة مرضية حقيقية. منذ اللحظة الأولى وحتى ما بعد انتهاء جلسة المحاكمة كان يستغرب أنه لا أحد يناديه بكلمة الرئيس، وطلب بإلحاح من المحيطين به أن ينادوه بالسيد الرئيس، وظل يكرر طوال الوقت قبل الجلسة وأثنائها وبعدها أنه الرئيس الشرعى، ظل يكررها بشكل كوميدى وهستيرى فى الوقت نفسه. هذه الحالة من الهلوسة الشرعية انتابته منذ بدأت المظاهرات ضده وجماعته إبان حكمه، واستمرت معه بعد أن ثار الشعب عليه وأطاح به ولم ينجح الزمن فى أن يهدئ منها ومن أعراضها.

لقد ظهر مرسى وهو يتباهى ببذلته التى أصر على ارتدائها، رافضا ملابس المحبوس احتياطيا البيضاء، يسير مختالا وهو يردد أنا الرئيس الشرعى، هذا المشهد ذكر كثيرين بالمسرحية الكوميدية القديمة «مطرب العواطف» عندما ظل يسير الراحل محمد عوض على خشبة المسرح وهو يصرخ حتى نهاية المسرحية قائلا: «أنا عاطف الأشمونى مؤلف الجنة البائسة». هذا المشهد الكوميدى مرشح للتكرار والاستمرار لوقت طويل.

ما لا يعلمه مرسى ومن معه أن الشرعية التى يتحدث عنها ليست حصنا يحتمى به ضد مصدر الشرعية الأصيل، وهو الشعب الذى أدمنوا إنكار وجوده. لا يعلمون أن الشرعية- التى كررها مئات المرات بل آلاف- ليست صك غفران للأبد، وهى عقد مبنى على أهداف حقيقية وإن لم تنفذ يجب أن يرحل.

ولا يمكن اعتبار صراخ بعض التابعين لمرسى فى شوارع بعض القرى والمدن للدفاع عما سموها «شرعية الرئيس» سندا أو عاملا موازنا مع رغبة الأغلبية العظمى من المصريين، هذا الخروج إن عبر عن شىء فإنما يعبر عن حالة مأساة ونزيف للأدمغة، وهو الأمر الذى يدفع للتساؤل: «كيف تكتب جماعات من الناس العبودية على نفسها؟»، وهنا تتبدى بعض الأسئلة المحورية: أى شرعية وأى سيادة يتحدث عنها أنصار الرئيس «مرسى» المعزول بقوة الإرادة العامة؟! وهل الشرعية هى شرعية الشعب أم شرعية الحكومة المتمثلة فى شخص مرسى؟!.. يبدو أن هذه التساؤلات قد حسمت سلفا فى المجتمعات المتمدنة، لكن يبدو أن أمام مرسى وأتباعه شوطا طويلا قبل إدراك ذلك.

لما شهدناه من مرسى خلال فترة حكمه فى الساحة السياسية المصرية والمحاولات المستميتة له لطرح نفسه زعيما إخوانيا عبر مشروعه لأخونة المجتمع المصرى، والتى تزخر بالتنوع الثقافى والسياسى والدينى… إلخ، كانت النتيجة الفوضى وعدم الاستقرار السياسى وتعطيل عجلة الاقتصاد وتدمير العلاقات الخارجية عبر الأطروحات الإخوانية المتطرفة وحصد مزيد من الأرواح باسم الشرعية، وذلك بعد الملاحم البطولية لشعب مصر الذى ظن أنه يدخل فى رحاب الديمقراطية وكل ما تحملها من معانٍ سامية، من دستور يتراضى عليه الجميع والحريات، إلا أن الخيبة الكبرى عندما ذهبت كل هذه التضحيات هباء، عندما أتى بمستبد يمارس الاستبداد باسم شرعية الانتخاب، عمل مرسى على تقويض أركان المجتمع، وعبث بالدستور، واستشرى الفساد، وأظهر راديكالية عقيمة فى إدارة الدولة، كان يمكن أن يعصف بالنسيج المجتمعى المصرى إلى ما لا تحمد عقباه، والآن واضح كوضوح الشمس فى وضح النهار ما أفضت إليه العقلية الإخوانية، كل هذه الأسباب جعلت المؤسسة العسكرية، وهى واحدة من المؤسسات التى تعبر عن الإرادة العامة- إن لم تكن الوحيدة حاليا- تقف بجانب الشعب، مستندة إلى السلطات والصلاحيات المخولة لها من الدستور المصرى، والذى لا يدع مجالا للشك أن استمرارية مرسى فى الحكم مهدد- بل مدمر- أساسى لأسس البناء المصرى. كما ذكرت يبدو أننا سنعيش الفترة المقبلة مع مشهد عبثى يقوده مرسى مكررا، فى حالة باتت تثير السخرية، صرخته الشهيرة: «أنا الرئيس الشرعى، أنا الشرعية، أفدى الشرعية بحياتى، حافظوا على الشرعية، ازحفوا من أجل الشرعية إلى الشوارع والميادين، الشرعية تدافع عن الشرعية، والشرعية للحفاظ على الشرعية، ويجب على كل مواطن أن يحمى الشرعية، وفى ظل الشرعية محمد مرسى متمسك بالشرعية»، هذا الصراخ الهستيرى والتكرار المستمر يتطلب عدادا لعد مرات الصراخ بالشرعية، وهو أمر يثير، كما قلت، الضحك الممزوج بالألم لما وضعنا أنفسنا فى مواجهته.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في مؤلفات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s