جماعات خارج السيطرة

العناد والإصرار على تكرار الخطأ يبدو احيانا احد سمات السياسة الخارجية الغربية، خاصة الامريكية. الموقف والحسابات الامريكية من تيار الاسلام السياسي مازالت صعبة الفهم والاستيعاب. عندما أرى اليوم ذلك الإصرار الأمريكي على دعم تجربة الإسلام السياسي وتمكينه من الحكم أصاب بالدهشة. فهم يكررون الخطأ مرة أخرى، ويعتقدون هذه المرة ان شغل جماعات الإسلام السياسي والجماعات الجهادية سوف يصرف عنهم خطورة هذه الجماعات، ولذلك عملوا لسنوات من اجل تنفيذ هذا المشروع، ويمكنا أيضاً ان نلمس ذلك الإصرار على الجهل، منهم او منا، بان مخططهم هذا يجنبهم المخاطر.
اذكر انه طوال الأعوام الثلاثة الأخيرة تقريبا في حديثي إلى سياسيين وعلاميين غربيين حول الدعم الغربي لجماعات الإسلام السياسي أحذرهم من أنهم سوف يشهدون حادي عشر من سبتمبر آخر، وان محطات مترو الإنفاق البريطانية سوف تشهد مثل ما حدث في السابع من يوليو عام ألفين وخمسة، وان ما شهدته عواصم ومدن أوروبية من أحداث إرهابية مرشح للتكرار طالما تجد هذه الجماعات دعما وغض طرف من قبل هذه الدول. اعتقدت هذه الدول وعلى رأسها أمريكا انه طالما هذه الجماعات بعيدة عنهم ومحصورين في بلادهم فهم في أمان منهم، وهم هنا لا يدركون أنهم إنما يعطونهم سماء آمنة يتمكنون من خلالها ان يجتمعوا لينظموا 3bd el latifانفسهم وسوف تكون هذه الدول من بين الأهداف.
النماذج التي تثبت ما أقول كثيرة، لكن تجربة تنظيم القاعدة تقف كأكثر التجارب دلالة على ما أقول. فالقاعدة أو تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد هي منظمة وحركة متعدد الجنسيات، تأسست في الفترة بين أغسطس 1988 وأواخر 1989 / أوائل 1990، تدعو إلى الجهاد كما تعتقده. في البداية، كان الهدف من تأسيس القاعدة التي أسهمت في إنشائها أمريكا محاربة الشيوعيين في الحرب السوفيتية في أفغانستان، دعم الولايات المتحدة وحلفائها كان واضحا، كانت تنظر إلى الصراع الدائر في أفغانستان بين الشيوعيين والأفغان المتحالفين مع القوات السوفيتية من جهة والأفغان المجاهدين من جهة أخرى، على أنه يمثل حالة صارخة من التوسع والعدوان السوفييتي، او هكذا سوقت الموقف أمام العالم وبخاصة حلفائها الذين تولوا عنها عملية التمويل والتجنيد. موّلت الولايات المتحدة عن طريق المخابرات الباكستانية المجاهدين الأفغان الذين كانوا يقاتلون الاحتلال السوفيتي في برنامج لوكالة المخابرات المركزية سمي بـ “عملية الإعصار”. في الوقت نفسه، تزايدت أعداد العرب المجاهدين المنضمين للقاعدة (الذين أطلق عليهم “الأفغان العرب”) للجهاد -كما يعتقدون- ضد النظام الماركسي الأفغاني، بمساعدة من المنظمات الإسلامية الدولية، وخاصة مكتب خدمات المجاهدين العرب، الذي أمدهم بأموال تقارب 600 مليون دولار في السنة تبرعت بها حكومات ومؤسسات وأشخاص اعتقدوا وقتها أنهم ينصرون الإسلام، ولم يدركوا أنهم لم يكونوا سوى ممولين لصنيعة أمريكية سوف يدفعون هم ثمن مشاركتهم في صنعها يوما ما، والمشكلة ان بعضهم مازال غير مدرك لذلك.
ودفعت أمريكا نفسها الثمن عدة مرات، لكن يظل ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر هو الثمن الأعلى، وان كانت الإدارات الامريكية المتعاقبة تتحمل، كما قلت، المسؤولية عن دماء مواطنيها على يد صنيعتهم، ولن يخفف من ذلك ما ادعوه من حرب على الإرهاب راح ضحيتها مئات الآلاف يشاركون في تحمل مسؤولية دماءهم. ولن يخفف عنهم أيضاً قتلهم لصنيعتهم أسامة بن لادن الذي سيظل حاضرا في أذهان صانعيه حتى بعد ان ألقوا بجثته في قاع المحيط.
ليس الأمريكان والغرب وحدهم هم من يقعوا في هذا الخطأ ولعل ما فعله الرئيس السادات عندما أراد أن يواجه منافسيه السياسيين في ذلك الوقت من اليسارين والناصريين فاستحضر قوى الإسلام السياسي المتمثلة وقتها في جماعة الاخوان المسلمين التي كانت قياداتها وقتهاما بين هاربة ومسجونة فأخرجهم وأعادهم ليستخدمهم، أو هكذا تصور، في مواجهته السياسية. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد بل خلق الجماعة الإسلامية في الجامعات لنفس الهدف، مواجهة نفوذ وسيطرة اليسار والناصريين على الجامعة، فخرجت الجماعة الإسلامية مدعومة بأمن النظام وحمايته ودعمه السياسي. لم يدرك السادات وقتها خطورة انه اطلق ما لن يستطيع ان يتحكم فيه، أو لعله أدرك ذلك في لحظاته الأخيرة وهو يعاني آلام الرصاص الذي اطلق عليه.الخطأ الكبير أنهم لا يدركون ان السيطرة على حركة جماعات الاسلام السياسي ليست سهلة، وأيضاً هم لا يعترفون بالحدود والمسافات.
أظن ان هذه الأفكار من المهم ان تكون حاضرة في أذهان من يحاولون الترويج لمفهوم إدارة مفاوضات بين الدولة وهذه الجماعات تحت مسميات مختلفة جميعها تهدف في النهاية الى فتح النافذة لهم ليعودوا من خلالها بعد ان طردهم الشعب من أوسع الأبواب. من الخطورة بمكان تحدي المزاج العام والإرادة الشعبية.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s