جماعة قررت الانتحار إلى الأبد

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

على مدار أكثر من ثمانين عاما فشل ملك وثلاثة رؤساء جمهورية وأنظمتهم، ومعهم تيارات ومؤسسات عديدة فى هزيمة الإخوان والقضاء عليهم، هم بأنفسهم فقط من استطاعوا بأيديهم أن يكشفوا حقيقتهم أمام الناس فى عام واحد فقط، واستمرارهم فى موقفهم المعادى للمجتمع الآن سوف يقضى على أى فرصة لعودتهم، لقد نجحوا فيما لم ينجح فيه أكثر خصومهم عداء لهم، وذلك بعدائهم السافر وإطاحتهم بكل القيم فى سبيل عودتهم بأى ثمن إلى السلطة التى فقدوها بسوء سلوكهم.

تاريخ الجماعة هو تاريخ من الانتهازية السياسية والعمل فى الظلام والنمو فى أجواء التضييق والاستبداد.

لم يكن قد انقضى على تشكيل الإخوان المسلمين خمس سنوات حين وصف مؤسس الجماعة حسن البنا عام 1933 الملك فؤاد بأنه «ذخر للإسلام» وبينما كانت شوارع مصر تغلى ضد الملك فاروق عام 1937، وصفه البنا، الذى يلقبونه بالإمام والشهيد، بقوله إنه «ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه». وعندما طالب مصطفى النحاس باشا، زعيم حزب الوفد، بالحد من سلطات الملك غير الدستورية وخرجت جموع المصريين تهتف «الشعب مع النحاس» فتصدى لهم الإخوان بمظاهرات «الله مع الملك»، وفى مارس 1938 نادت صحف الإخوان بالملك فاروق خليفة للمسلمين، وردد الإخوان يمين الولاء للملك فاروق فى ميدان عابدين فى فبراير 1942 «نمنحك ولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله».

وعلى امتداد سنوات النظام الملكى وقف الإخوان ضد حزب الوفد وهو صوت الحركة الوطنية، ووصل الصراع بين الجانبين إلى ذروته فى يوليو 1946، فلجأ الإخوان كعادتهم إلى العنف وألقوا بالقنابل على أنصار الوفد فى بورسعيد، ما أسفر عن مقتل أحد الوفديين وإصابة العشرات، فغضب الأهالى وأشعلوا النار فى دار الإخوان والنادى الرياضى ببورسعيد. وعندما شن إسماعيل صدقى، رئيس الوزراء القريب من الاحتلال الإنجليزى فى ذلك الوقت، حملة اعتقالات لمئات المثقفين والطلبة والعمال عام 1946، وأغلق عشرات الصحف، نشرت صحف الإخوان الرسمية أن الظروف تحتم ذلك لأن سلامة المجتمع وحرية الأمة فوق كل شىء، وخرج أحد قياداتهم مصطفى مؤمن، زعيم الإخوان بالجامعة، وخطب تأييدا لإسماعيل صدقى مستشهدا بالآية الكريمة «واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا».

وبقيام ثورة يوليو التقى الإخوان عبدالناصر وحاولوا القفز على الحكم، وأغلقت أبواب التفاهم بين الإخوان والثورة بعد محاولتهم اغتيال عبدالناصر فى المنشية فى أكتوبر 1954. وما إن وصل السادات للحكم حتى قدموا أنفسهم له سلاحا ضد الناصريين واليساريين فى الجامعات، فاستخدمهم وعملوا على تأجيج الفتنة الطائفية، وخشى السادات من العفريت الذى أطلقه، فاعتقل الكثيرين منهم. وفى عهد مبارك لم يتركوا فرصة للتأييد إلا وانتهزوها.

لم يفعل الإخوان شيئا عبر تاريخهم سوى الانتقال من هتاف «الله مع الملك»، إلى تحية الرئيس المؤمن السادات، إلى «مبارك والد كل المصريين» إلى «يا مشير م النهارده أنت الأمير» وأخيرا إلى «مرسى مرسى.. الله أكبر».

اليوم سقطت الجماعة بعد عام واحد من القفز على السلطة فى مصر، أثبتت ما توقعه حليفهم حسن الترابى عراب الحركة الإسلامية فى السودان من أنهم لن ينجحوا فى إدارة الدولة، حيث نسب إليه قوله منذ فترة: «قلت للإخوان لا تترشحوا للرئاسة، وليكن عندكم أكثرية برلمانية، واستثمروا جو الحريات لصناعة الكوادر التى تقود الدولة بعد قيادة (المسجد)، فإدارة الدولة تختلف عن إدارة الجمعيات الخيرية»، حسب وصف الترابى الذى أضاف أن «العمل فى جو الحرية هو الذى يولد لكم فرصة الوجود ولو من بعد».

لكنهم لم يفهموا ذلك، وأخذتهم العزة بالقوة، وتمكن منهم العناد والإنكار وشهوة السلطة التى أعمتهم عن الحقائق ونفرت منهم الجميع أفرادا وجماعات.

كان أمام الجماعة فرصة أن تجد لنفسها مكانا، وأن تكون لديها فرصة لاستعادة قليل مما خسرت، الطريق الوحيد كان أن يدركوا أنهم خسروا السلطة بالفعل، فعلى الأقل لا يخسرون فرصة العودة كفصيل ينشط فى إطار دولة مدنية حقيقية، لكنهم لم يتمكنوا من الحفاظ على قناعهم الكاذب، وكشفوا حقيقتهم كجماعة فى مواجهة أمة، إما أن يحكموهم أو يقتلوهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s