«خدوا بالكم من مصر»

1378625_407072516081837_2119787900_nعبد اللطيف المناوي

كان غريبا ومفرحا أن يرتفع صوت أغنية «تسلم الأيادى» ونحن نقترب بخطواتنا نحو مقر الأمم المتحدة بنيويورك، كان الصوت يزداد ارتفاعا كلما اقتربنا، وكان ممزوجا بأصوات مصرية تهتف بحماسة مع الأغنية «مصر.. مصر»، وعندما وصلنا وجدنا مشهدا لم يتمالك كثيرون أنفسهم من دموع فرت من الأعين من فرط التأثر والحماسة. رجال ونساء وأطفال، أعمار مختلفة، مسلمون ومسيحيون، كلهم يهتفون بحب وحماسة، والوجوه تعلوها ابتسامات حقيقية وفرحة تكاد تقفز من الوجوه. شعور غامر بالسعادة والفخر والاعتزاز بأن ننتمى جميعا إلى هذا البلد، إلى هذا الوطن.

«الوطن» هو كلمة السر، هو الفرقان الفاصل بين مواقف المصريين مما يحدث فى مصر، هؤلاء الذين رأيت يحتفلون بعودة الوطن إليهم حتى لو كانوا على بعد آلاف الأميال، وطن شعروا وشعرنا جميعا بأنه اختطف منا ولم نعتقد أن عودته يمكن أن تكون قريبة، لكنها إرادة الله أن يحمى هذا الوطن بيد أبنائه الذين خرجوا لينقذوه من مستقبل مجهول، أبناء الوطن من الشعب والجيش فكوا الوطن من أسره وحرروه من الاختطاف واستعدنا ما ظننا أنه ضاع إلى الأبد. لذلك كان منطقيا أن أجد من بين اللافتات الكثيرة واحدة تقول: «إحنا شعب جيشنا شعب وشعبنا جيش»، هذه الجملة التى تبدو مرتبكة التكوين هى فى الواقع تعبير حقيقى عن شعور المصريين، تأكد المصريون جميعا من الحقيقة التى حاول البعض تغييبها وساعد فى ذلك بعض الظروف والملابسات التى أحاطت مصر خلال الأعوام الأخيرة، ما خلق حالة من الانفصال بين الشعب وجيشه، لكن عادت الثقة والفهم الصحيح لموقع الجيش المصرى فى تكوين الدولة والأمة المصرية، فقد أعاد المصريون اكتشافهم لجيشهم، أو بتعبير أدق أزالوا الغبار عن تلك العلاقة الأزلية، علاقة وحدة نسيج الجيش والشعب.

فى الطريق إلى المظاهرة، وبينما تسير المجموعة التى ضمت أسماء معروفة ومحبوبة من الأوساط السياسية والفنية والإعلامية وهم يحملون أعلام مصر، شاهدهم أحد الأمريكيين السود بلحية أطلقها وشارب حلقه، وقرر أن يسير خلف المجموعة أو أمامها وهو يهتف ضد الجيش والفريق السيسى بإصرار غريب ورفض لسماع أى رأى آخر، وظل على هذا المنوال لمدة اقتربت من ربع الساعة، وهو الوقت الذى استغرقناه حتى الوصول إلى مكان المظاهرة أمام الأمم المتحدة. أذكر هذا المشهد والربط بينه وبين ما علمته بعد ذلك من أن العديد من الجوامع دعا فى صلاة الجمعة إلى التظاهر فى اليوم التالى، نفس يوم المظاهرة المؤيدة لخيار المصريين وقرارهم، لكنها كانت دعوة للتظاهر تأييدا للإخوان المسلمين. وبالفعل شهدت نيويورك مظاهرتين فى الوقت ذاته، لكن الفارق بينهما كان كبيرا. مظاهرة التأييد- كما وصفتها- يغلفها الأمل والسعادة فى استعادة الوطن، وتستطيع أن تلمس حجم الإحساس بالفخر بالانتماء إلى وطن اسمه مصر فى الوقت الذى غيم فيه على التظاهرة الأخرى غيوم من الكآبة والغضب والحزن، لكن الفارق الأكبر كان فى طبيعة المشاركين، بمظاهرة التأييد كان كلها من المصريين، أما المظاهرة الأخرى فقد كان فيها بعض المصريين من المخدوعين أو فاقدى القدرة على الرؤية الصحيحة والتزموا بالسمع والطاعة، أما الأغلبية العظمى فقد كانت من جنسيات أخرى باكستانية وأفغانية وجنسيات أخرى، ولم يستطع حجم الإنفاق الكبير على هذه المظاهرة إخفاء حقيقة أنهم لا يدافعون عن وطن لكنهم يدافعون أو ينفذون أوامر تنظيم لاقتناع أو انقياد أو بمقابل مادى.

من أكثر المشاهد التى توقفت أمامها كان عندما نادى وألح فى النداء علىَّ رجل عجوز، توجهت نحوه ولا أعلم ماذا يريد، فحيانى بحرارة وشد على يدى وقال بمزيج من القلق والفرحة والخوف الشديد: «خدوا بالكم من مصر، أرجوكم خدوا بالكم منها، إوعوا تضيع تانى».

فى طريق العودة استوقفتنا عائلة مصرية لتسأل عن مكان المظاهرة، كان ابنهم الصغير عمره حوالى ست سنوات، يلبس زيا قريبا للزى العسكرى، وصفنا لهم الطريق وأعطيت الطفل الصغير العلم الذى كان معى ليرفعه وهو يشارك المصريين الحقيقيين فرحتهم وفخرهم بأنفسهم وجيشهم ووطنهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s