أحلام البسطاء

2013052113691401650عبد اللطيف المناوي

عندما أظلم المستقبل، وعندما غابت أى بارقة أمل فى المستقبل خرج المصريون ليطيحوا بمن سرق منهم الأمل وأظلم عليهم حياتهم. أحد الدوافع الرئيسية لثورة الثلاثين من يونيو هو تلك الحالة من اليأس التى سكنتنا فى جدوى استمرار هذه الجماعة التى اختطفت الوطن وسرقت أحلام الناس. عندما خرج الملايين لم يكن لديهم تصور لليوم التالى، بل كان خروجا من أجل اقتلاع ظلام اليأس، وبحثا عن طاقة نور. وعندما تمكن المصريون من استعادة بلدهم مرة أخرى عشنا جميعا النشوة، نشوة الانتصار والإحساس بالإنجاز، ومازلنا نعيش تلك الحالة حتى الآن. لكننى اليوم أدق جرس الإنذار، حالة النشوة ليست حالة أبدية، بل هى حالة وقتية، وإذا كانت تلازمها حتى الآن، فذلك لأن ما أنجز كبير ومفاجئ ومفرح، لذلك تمكنا، طوال تلك الفترة، من تجاوز كل حالات الإحباط وكل ما بدا ويبدو أمامنا من مشكلات أو معوقات، لكن المشكلة أن هذه الحالة وقتية مهما طال الزمن، والحل الوحيد الذى يضمن استمرارها يكمن فى أن يستعيد المصريون الأمل فى المستقبل، وهذا هو الأمر الذى لم يحدث حتى الآن، فما نراه هو عودة بشكل أو بآخر إلى تلك الدوائر القديمة من التراخى والإهمال وغياب الإحساس بأن ما فعله المصريون كبير ويستحقون من أجله واقعا مختلفا وأملا فى المستقبل، وهذا إنذار مبكر. عندما خرج الفريق السيسى يوم الثالث من يوليو ليعلن انحياز الجيش لشعبه، وحرصا منه على تأكيد مفهوم عدم التدخل فى إدارة شؤون البلاد السياسية، ترك أمر تشكيل الحكومة للرئيس المؤقت والقوى السياسية، وأظن- ويظن معى كثيرون- أن الأفضل فى ذلك الوقت كان تشكيل حكومة طوارئ تقوم بإدارة شؤون البلاد لا يتجاوز عددها عشرة وزراء، لكن لم يحدث هذا، وخرجت علينا تلك الوزارة التى شهدت عمليات فصال وجدل ومساومات سياسية ولى ذراع متبادل بين ما تسمى قوى سياسية، هى فى الواقع لا تملك حضورا واضحا فى الشارع، وبدلا من حكومة تحمل إحساس الطوارئ، خرجت علينا حكومة مزدحمة بالوزراء، كأننا نعيش مرحلة الاسترخاء التى عانينا منها طويلا من قبل، وتم اختراع مناصب وملفات داخل الوزارة، فى محاولة لتلبية رغبات القوى السياسية غائبة الشعبية. أصبحت اجتماعات مجلس الوزراء أشبه باجتماعات مجالس الجمعيات التعاونية، التى يتحدث كل شخص فيها فيما يخصه وما لا يخصه، وظهرت، منذ البداية، تلك الحالة من غياب القدرة على الفعل أو الإحساس بإلحاح الأزمات وحاجة المواطن إلى استعادة الأمل. ولأن مجلس الوزراء مزدحم، ولأن كل منهم لديه الرغبة فى الحديث فيما يعنيه وما لا يعنيه، أصبح الإحساس العام بأن هذه الوزارة منفصلة عن الشارع تماماً كالوزارات التى مرت على مصر لعقود مرت، وبدا واضحا أنها حكومة يغيب عنها الوعى بإلحاح اللحظة، وبدا الأمر كأننا نعيش أجواء سابقة. هذا الوضع يؤكد أننا نقع مرة أخرى فى ذات الخطأ، نغير «الهارد وير» ويبقى «السوفت وير» كما هو، بمعنى آخر غيرنا الأجساد وبقيت العقول كما هى. المطلوب دق جرس الإنذار بشدة فوق رؤوس الجميع، المطلوب تفسير ما يحدث من البعض وإيقافه، المطلوب استعادة إحساس الخطر وإعادة الثقة للناس فى أن من يديرون قادرون على استعادة الأمل. هذا يحدث عندما يتوقف المسؤولون عن ممارسات تبدو متناقضة مع الحالة التى يعيشها المصريون بعد ثورتهم. وحتى أفسر نفسى أستعرض بعض مواقف من الذاكرة صدمتنى كما صدمت كثيرين. فليس مفهوما مثلا أن يقوم أحد نواب رئيس الوزراء بزيارتين إلى كندا فى أقل من شهرين فى عمر الوزارة، وتقول وكالة الأنباء الرسمية إنه يسافر ليجرى مباحثات مع كبار المسؤولين فى كندا تتناول دعم التعاون الاقتصادى بين البلدين فى شتى المجالات، بينما تتردد الأقاويل فى الأروقة أنه يسافر لزيارة ابنه أو لإنهاء إجراءات الجنسية الكندية، وكلا الأمرين لا غبار عليهما كموضوع شخصى، لكن تظل الأسئلة المعلقة: هل هذا وقته؟ السؤال الثانى: لماذا نلبس الأمور غير حقيقتها؟ لماذا نستفز الناس بتفسيرات هى ذاتها مستفزة؟. ويؤكد لنا المسؤولون أن العادة التاريخية لغياب التنسيق مازالت قائمة ولم تسقط مع الإخوان، وهى غياب التنسيق بين أطراف الدولة حتى نظن أنهم متخاصمون أو يعادون بعضهم بعضا. لأن المساحة محدودة، فأستغل السطر الأخير لأقول إن الأداء الحالى لا يخلق طاقة أمل لدى المصريين، البسطاء لا يشعرون بأن لهم أحلاما فى طريقها للتحقيق، وهذا مؤشر جد خطير. تزول النشوة مهما طالت ويبقى الواقع الذى يحتاج إلى إرادة حقيقية كى ننجح.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s