ماذا تريد قطر؟ (٣)

IMG_0132عبد اللطيف المناوي

من المهم فى إطار تقييم قطر الدولة وعلاقاتها الخارجية، بل وقيمتها كدولة‘ أن نتوقف عند القناة التى كان لها الفضل فى خلق قيمة ومكانة الدولة كعنصر أساسى، إلى جانب القدرة المالية المرتفعة، والقاعدة الأمريكية الأكبر فى العالم، قاعدة «العديد». وهنا أتوقف عند تقييم سابق كنت قد كتبته حول دور الإعلام فى صناعة دولة.

كان سلاح الإعلام هو الأكثر حضورا وقدرة فى عقول من خطط لهذه الإمارة فى ثوبها الجديد بعد أن خلعَ الأميرُ الابنُ، الأميرَ الأبَ، وكانت المصادفة أنه، فى ذلك الوقت، كانت قناة «بى. بى. سى» العربية قد أُغلقتْ لتوها بعد أن بدأت بتمويل سعودى سنة 1994، ثم تمَّ إغلاقها بعد ذلك، بعد بروز تناقض السياسة التحريرية للهيئة البريطانية مع السياسة السعودية فى تلك الفترة.

التجربة العربية لـ«بى. بى. سى» العربية، بمذيعيها ومحرريها وإدارييها ونظامها الداخلى كانت كما هى، تم نقلها إلى قطر، واستخدمت فى ذلك العلاقات القوية التى كانت تربط الشيخ حمد بن جاسم آل ثان، وزير الخارجية فى ذلك الوقت، الرجل القوى فى الإمارة، ببعض الشخصيات الفاعلة فى «بى. بى. سى» العربية، وكذلك العلاقات البريطانية المتميزة.

وهكذا كانت قناة الجزيرة تبث نشرتها الأولى يوم 1 نوفمبر 1996، الساعة الرابعة والنصف بتوقيت جرينتش، مسلحة بأعلى الإمكانيات الممكنة، المالية والتقنية، لمحطة تليفزيونية.

منذ اللحظة الأولى كان موقف القناة عاكسًا للموقف القطرى الجديد المتربص بالدولة المصرية، والمتحفز للقيام بأدوار هى بالأساس أدوار دول كبيرة أرادت الإمارة الصغيرة أن تلعبها، ونافذة مفتوحة لعلاقات متطورة، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا مع إسرائيل، تلك التى تحفز القناة العالم العربى وشعوبه ضدها، وفتحت نافذة إعلامية محترمة لإسرائيل وللمسؤولين الإسرائيليين، لكى يتواجدوا من خلال وسيلة إعلامية عربية بهذا الحجم وهذا المستوى.

هذا التقديم فى الحقيقة مهم، لتفسير موقف قناة الجزيرة من الأحداث بشكل عام فى مصر، ومن الأحداث منذ 25 يناير على وجه التحديد حتى الآن، مرورا بتمكين الإخوان ودعمهم، ثم دعمهم فى مواجهة ثورة المصريين حتى الآن.

مكتب قناة الجزيرة فى القاهرة يطل بشكل مباشر على ميدان التحرير، وعلى نيل القاهرة من الطرف الآخر، وهو تحديدا أكبر مكتب تليفزيون عربى فى مصر، ويمتلك إمكانيات تقنية كبيرة، والغريب أنه هو المكتب الوحيد الذى يمتلك خطًّا مباشرا يتصل بالأقمار الصناعية بشكل مباشر عبر خطوط الفايبر، كما أن المكتب يبدو كأنه أحد استوديوهات الدوحة، وكان المكتب يقوم بالتنسيق مع وزارة الاتصالات، وهو استثناء حصلوا عليه باتصالاتهم الخاصة مع بعض المسؤولين المصريين فى الاتصالات، رغم الموقف المتوتر الدائم مع مصر، ولم يُتَّخذ أى إجراء تعسفى معهم طوال السنوات الماضية، رغم هذه الحالة المتوترة، وكان الحد الأقصى هو تلك الملاسنات والهجوم على قناة الجزيرة فى بعض وسائل الإعلام المصرية، الأمر الذى كانت القناة تستغله لصالحها دعائيا.

يوم 25 يناير بدت الصورة وكأن قناة الجزيرة قررت أن تكون طرفا أساسيا فيما هو حادث على أرض مصر، فمنذ اللحظة الأولى ضربت القناة عرض الحائط بكل التقاليد المهنية والأعراف المرتبطة بحياد وسائل الإعلام ومواثيق شرف المهنة، واتخذتْ اتجاها محددا، ومارست قدرا كبيرا من المغالاة فى نقل الصورة، وتضخيم ما يحدث.

كان التركيز بزوايا معينة فى تصوير التجمعات والمظاهرات يعطى الانطباع بحجم أكبر من الحجم الحقيقى فى بداية هذه المظاهرات، كان يمكن أن يكون الأمر مقبولا عند هذا الحد، لكن ما كان صارخا وما حدث فى يومى الأربعاء والخميس، هو أن استمرت الجزيرة فى بث مظاهرات الثلاثاء بشكل دائم ومستمر، ثم طورتْ ذلك إلى شكل آخر، عندما بدأت تذيع أجزاء من هذه المظاهرات، المسجلة من يوم الثلاثاء، يومى الأربعاء والخميس، وأذاعتها وكأنها بثٌّ مباشر، وكانوا حريصين على أن تتوافق الأجزاء التى تذاع يومى الأربعاء والخميس، مع توقيتات يوم الثلاثاء، أى أن يكون موعد الإذاعة فى هذين اليومين هو نفسه توقيت وقوع المظاهرات يوم الثلاثاء، حتى يبدو كأنه يحدث حالاً، ويكتمل الشعور لدى المشاهد بأن هذه المظاهرات بث مباشر وليست مسجلة، مما يعطى الانطباع بأن هذه المظاهرات، بهذا الحجم وبهذه الضخامة، تحدث فى مصر، وهو الأمر الذى أعطى الانطباع لدى الجميع بأن الأمور وصلت إلى مرحلة من عدم الاستقرار الكامل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s