من ظلم “الجزيرة”؟

abd el latifعبد اللطيف المناوي
المرة الأولى والوحيدة التي زرت فيها قناة الجزيرة في الدوحة كانت عام 1998 وكان مديرها العام شخصية خلوقة اسمه جاسم العلي مازالت احمل له ذكرى طيبة وزمالته نفس المكتب وقتها محمود السهلاوي الذي كان المدير الإداري للقناة على ما اذكر وقتها، ومازلت على اتصال بالرجل من وقت لآخر وفي الذاكرة اللقاء القديم. وقتها كنت متجاوزا-او غير مدرك وهو الأقرب- لطبيعة نشأة القناة ولا أهدافها السياسية، فقط اعتبرتها مشروع إعلامي عربي، حتى لو كان قد نشأ على انقاض تلفزيون ألبي بي سي العربي الذي كان قد أغلق بعد خلاف بين ملاكه شركة سعودية وبين هيئة الإذاعة البريطانية على أمور خاصة بالسياسة التحريرية. المهم انه بعد الانقلاب الذي قام به الابن على أبيه وخلعه من كرسي الإمارة واحتلاله له ظهرت الجزيرة باعتبارها المشروع الاستراتيجي للدولة الصغيرة من وقتها والفقيرة وقتها، حتى انه يقال ان المبلغ الذي إنشات به الجزيرة، يقال انه مائة وخمسين مليون دولار، كان قرضا من جهة ما. كل هذه الحقائق كنت غافلا عنها وقت زيارتي الوحيدة لها، ولم أرى فيها إلا قناة حرفية عن حق تمتلك كل المقومات والإمكانيات الفنية والمادية التي تمكنها من ان تكون الأفضل مهنيا على مستوى المنطقة. رأيت فيها وقتها حلما يتحقق، تمنيت لو انه كان مصريا، حتى وان كان عدد كبير ممن انشاوا وبداوا هذا المشروع كانو مصريين.
كما يقول الأدباء في رواياتهم “جرت في النهر مياه كثيرة” ومرت السنيين وكشفت الجزيرة ودولتها المرتبطة يها عن التوجهات الحقيقية لها، بدا واضحا ان القناة ليست إلا وسيلة حديثة من وسائل القتال، وأنها ليست إلا استثمار شبه عسكري يغني عن إنشاء جيوش ليست في مقدور دولة كهذه، فاستعاضت عن ذلك بأداة أدركوا، او هناك من أدرك نيابة عنهم، بان الاعلام هو الوسيلة الأكثر تأثيرا في المستقبل المنظور. لم يدرك هذا العديد من المسؤولين عن الاعلام العربي إلا في وقت متأخر وبأسلوب أيضاً متأخر. إذن هم ومن وراءهم لهم فضل الإدراك المبكر لأهمية الاعلام. العديد من المسؤولين وقتها وقع في مساحة الأنهار بالتجربة الجديدة، وعرف أصحاب الجزيرة كيف يمكن التعامل مع الدول العربية فتم تمكينهم من العديد من المزايا والتسهيلات التي كان يبخل بها المسؤولون على قنواتهم. تسابق البعض لخدمة الجزيرة، وتحولت بقدرة قادر إلى القناة الرئيسية في عدد كبير مم الدول العربية في ظل حالة الغياب الكامل لأي وسائل إعلامية أخرى تستطيع ان تنافس.
القت من وهم ان الجزيرة هي حلم مهني يتحقق على الارض وواجهت الحقيقة أنها أداة سياسية تستخدمها القوى التي تمتلك قطر وتحركها في الاتجاه ومن اجل الهدف الذي تريد. وانخدع العديد من العاملين فيها بوهم الرأي والرأي الآخر وصوت من لا صوت له، وانساقوا دون ان يدروا في تنفيذ ما كانوا يعتبرونه إصلاح سياسي دون ان يدركوا أنها أهداف سياسية ودور تقوم به القناة متجاوزة به حدود المهنية إلى آفاق أخرى هي أدوار سياسية صريحة، وفي مرحلة تالية إلى أدوات تهييج.
كل هذه الأمور كانت قابلة للدفاع عنها في الماضي تحت غلاف المهنية الواضحة في الحقيقة في أداء القناة الشكلي، فقد تمكنوا باستخدام الوسائل والإمكانيات من صبغ أعمالهم بصبغة مهنية واضحة، حتى لو كانت غير حقيقية. أيضاً يبدو انه كان لديهم طاقم تحريري متميز قادر على تغليف السموم بطبقة من السكر فتبدوا الأمور مهنية بامتياز ويتم تمرير الرسائل، إلا ان الأوضاع تغيرت مؤخراً فقرر أصحاب القناة ان يخلعوا الأقنعة وان يلقوا بالقفازات في الوجوه فبدت صورتهم الحقيقية أمام المتلقي البسيط الذي غضب من الخداع الذي تعرض له لسنوات طويلة، لذلك حكم على القناة وباتت مطرودة من مساحة الاحترام حتى لو ظلت في منطقة المتابعة.
قد يكون من المناسب استحضار ما ذكرته صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية مؤخرا أن انحدار شعبية قناة “الجزيرة” القطرية لدى الجمهور المصري يعكس التغيرات في العالم العربي بشكل عام، والتحولات في العلاقات القطرية – المصرية بصورة خاصة. وأشارت الصحيفة إلى انه على الرغم من تعاطف قطاع كبير من المصريين مع القناة في انتفاضة ٢٠١١ لكن بعد مرور عامين، وفي ضوء الدعم الذي كانت تبديه قطر لنظام الرئيس المعزول محمد مرسي، شعر النشطاء بتحيز القناة مستنكرين دعمها الصريح لنظام مرسي وانتقادها للمعارضة”.
واستطردت الصحيفة: “إلا أن تغطية الجزيرة حاليًّا للأحداث في مصر ونقلها الصورة على أن ما حدث انقلابًا عسكريًا أغضب الملايين من أبناء الشعب المصري، الذي خرج في تظاهرات حاشدة ضد حكم مرسي، معتبرين انتفاضتهم ضد الإخوان”
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s