قتل الآلاف هو ثاني أفضل خيار للإخوان

عبد اللطيف المناويIMG_0132

لم أتوقع، منذ اللحظة الأولى، لما سمى «جهود وساطة مع الإخوان» أن تنجح، وذلك لسبب بسيط هو أن نجاح هذه الجهود سوف يعنى خسارة الجماعة فرصة لعب دور الضحية والاستفادة منه، لقد خسرت الجماعة السلطة واعترافها وتسليمها بهذه الحقيقة يتماشى مع منطق الأشياء وعقلانية التفكير، لكن لديها يتحول الأمر إلى استغلال ما تسميه «محنة» لتحقيق مكسب تنظيمى مهم هو تماسك الجماعة. وهو سلوك يتماشى مع أسلوب الجماعة فى كل مراحلها، حتى فى مرحلة القوة فإن اللجوء إلى إيجاد صيغة تسمح لها بأن تكون الضحية كان أسلوبا يميزها، لذلك استغلت مثلا الخطاب المناهض لها والمعارضة لوجودها، اعتمدت الجماعة هذا الخطاب وذلك الاتجاه من أجل الحفاظ على السلطة فى ذلك الوقت، وتماسك التنظيم.

قال خليل العنانى، الأكاديمى المتخصص فى سياسة الشرق الأوسط بجامعة «دورهام»، إنه رغم اعتماد المعارضة بمصر بشكل متزايد على خطاب مناهض للإخوان بهدف «كشف الجماعة وتقويض رصيدها»، إلا أن الأخيرة تعتمد بشكل مؤكد على هذا الخطاب من أجل الحفاظ على السلطة وإدامة تماسك تنظيمها. وظلت الجماعة لا تهتم بحقيقة تراجع شعبيتها، وإن مرسى كان يميل لتجاهل وازدراء وتهديد قادة المعارضة، معتقدا أنهم يحاولون تقويض حكمه. ونظرت إلى المعارضة كجزء من مؤامرة عالمية ضد ما تسميه «المشروع الإسلامى». ومن يدرس سلوك الجماعة يكتشف أن ظاهرة العداء للإخوان- على عكس ما يعتقد الكثيرون- لها أثر عكسى على الجماعة، وأنها مفيدة لها بشكل كبير، وتلعب دورا لصالح قيادتها.

كذلك فإن العداء للإخوان يوحد أعضاءها ويزيد سلطة القيادة على التنظيم، باستخدام مفاهيم سادت طويلا داخل الجماعة مثل «المحنة» و«الصبر» و«الابتلاء»، التى تعكس المعاناة التاريخية ودور الضحية السائد بين قادة وأعضاء الجماعة».

اليوم إن انكشاف الجماعة واقتلاع الشعب لها من موقع السلطة هو بمفهومها محنة أخرى يجرى تسويقها لأعضاء الجماعة بالأساس، من يراقب مواقف «مفاوضيها»- إن صح التعبير- وتصريحات قياداتها، فسوف يلحظ أنها تدفع الأمور دفعا للوصول إلى الصدام، وهى هنا تتجاهل الحقائق الجديدة على الأرض، وتصر لدفع الأمور دفعا لتصطدم، وتحاول بشتى الطرق كسب ضحايا جدد، هؤلاء الضحايا الذين تتسبب فى مقتلهم بالدفع للصدام تستغلهم وهى تأمل فى أن يتسبب الاهتمام الدولى، وربما الاستياء مما يجرى فى مصر من أعمال عنف، فى إنقاذها، وأن يؤدى ارتفاع حصيلة القتلى إلى كسب تعاطف من لم يحسم أمره ويحدد موقفه فى مصر.

ما شهدته مصر، خلال الأيام الأخيرة، سماه البعض مفاوضات أو مساومات أو لجنة دولية للمصالحة، العديد من المسميات التى تصب جميعها فى مفهوم أن مصر تواجه حالة من الانقسام، ويصل البعض إلى الحديث عن انشقاق يكاد يكون متساويا بين المصريين. لكن حقيقة تسمية ما حصل أنه ليس تفاوضا أو مساومة، لأن الواقع يقول إن الصورة الآن هى جماعة فى مواجهة أمة، لذلك فإن القيادة المصرية ارتأت أن الأفضل اتخاذ جميع الاحتياطات لتجنب سفك الدماء، وبالتالى كانت الدعوة لمن رغب ليحضر ويرى بنفسه الحقيقة كما هى لا كما تروج لها دعايات الإخوان فى الداخل والخارج، أيضاً استخدام العلاقات «الخاصة» لبعض هؤلاء «الوسطاء» مع الجماعة أثناء حكمها البلاد لإعادتها إلى رشدها وإقناعها بأن المسألة حسمت، وأن العجلة لن تعود إلى الوراء. لذلك كان الموقف المصرى مزيجا من الحزم والحسم الخاص بالتمسك بما التزموا به أمام المصريين، مع الحرص الشديد على محاولة تجنب إراقة الدماء.

لكن السؤال هو: هل قادة الجماعة حريصون على عدم إراقة الدماء؟ الإجابة عن هذا السؤال أظن أن البعض ممن شارك فى جهود الأيام الأخيرة وتواصل مع هؤلاء القادة قد توصل إلى نتيجة هى إعادة اكتشاف حقيقة تفكير الجماعة، أو قيادتها، وهى أن ثانى أفضل خيار للجماعة هو أن تدخل فى صدام دموى تدفع فيه لقتل المئات أو الآلاف- لا يهم من وجهة نظرهم- من أجل أن يعيشوا مرة أخرى حالة «الضحية» أمام الرأى العام الداخلى، والأهم له أمام الرأى العام العالمى. أما من يموت من أعضاء الجماعة وقواعدها فهذا أيضاً لا يهم قياداتها كثيرا، طالما أن أبناءهم بعيدون عن ساحات الاشتباك. هذه الحالة تعيد لهم تماسك الجماعة وتفوت الفرصة على النقد الداخلى ودعوات التغيير والإصلاح داخل الجماعة.

أما أفضل خيار لها فهو عودتها للسلطة التى أصبحت مستحيلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s