الشرعية الحقيقية والأخرى المزيفة

عبداللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

  «محدش هيشيل حد» وإن «الجيش لن ينزل إلى الشارع ليغير أنظمة، وإذا نزل فإن مصر ستعود إلى الوراء 40 عاما»، وحث على الوقوف أمام صناديق الاقتراع ولو لمدة 15 ساعة أفضل من تدمير البلد. هذا ما قاله الفريق السيسي أمام مجموعة من المثقفين والفنانين المصريين، وقتها أصيب قطاع كبير بالصدمة للوهلة الأولى، فقد شعروا ان جيشهم يتخلى عنهم، ولكن البعض بدأ يدرك مغزى الرسالة بان المقصود منها هو ان الشعب هو صاحب القرار والجيش لانه جيش الشعب فسيتبع الشرعية التي أساسها الشعب، وهذه القناعة بدأت تتسرب إلى قطاعات الشعب المختلفة طوال الأسابيع التالية وسكن النفوس يقينا بان جيشهم سوف يختار الاختيار الصحيح وهو الشرعية الحقيقية، شرعية الشعب.
ما حدث هو الدليل على ان الإطاحة بحكم الاخوان هو عمل وطني مبني على رغبة شعبية عارمة بتحرير مصر من فكر مجموعة قررت ان تخطف البلاد بعيدا عن مكانها وموقعها الطبيعي، او كما قال لي صديق أنه أراد رحيلهم لأنهم أرادوا ان يغيروا ملامح وجهه. لو لم يكن هذا الفعل عملا وطنيا وثورة حقيقية واستجابة لشرعية شعبية فماذا يمكن ان يكون؟ لقد رفض السيسي ان يسلك الطريق السهل ان ينقلب على النظام الذي كان قائما ويبحث عن شعبية لانقلاب كان المصريون يتمنونه، لكنه رفض وأصر ان يكون الطريق هو الطريق الشرعي والالتزام بالشرعية. وهذه الشرعية كانت ذات اتجاهين، في مرحلتها الأولى كان يمكن الحديث عن شرعية دستورية يستند إليها النظام السابق وشرعية من صناديق الانتخابات بغض النظر عن التشكيك فيها. كان يمكن للنظام السابق ان يحافظ على هذه الشرعية لو انه استجاب منذ البرازية لمطالب الجماهير التي أصابها الإحباط والاكتئاب من سياسات نظام قرر ان يعادي الجميع ويقزم الوطن ليكون إمارة بلا هوية، نظام عاش على سياسة الإنكار والإقصاء والاستحواذ، كان يريد أعضاء الجماعة وحلفاءها فقط دون شريك، نظام كهذا كان من السهل جداً ان يفقد شرعيته لدى الجماهير حتى لو استمر في الحكم. ما لم يدركه نظام الجماعة واتباعها ان الشرعية ليست حالة أبدية، وان أساسها ووجودها واستمرارها يرتبط فقط بالرغبة الشعبية، او بتعبير أدق بالإرادة الشعبية، وهذه الإرادة تبدت وتبلورت وتأكدت في ثورة المصريين من اجل تحررهم والتي بدأت بشائرها قبل انطلاقها بأسابيع قليلة، عندما انفجرت هذه الثورة تعبيرا عن إرادة الأمة فقد سقطت شرعية النظام الذي كان قائما وحلت محله شرعية شعبية حقيقية. لذلك فان عزل الرئيس مرسي واسقاط نظام الاخوان كان عملا وطنيا واستجابة لمطالب الشعب، ولم يكن مخططا له وإلا لما أعطى السيسي إشارة واضحة إلى الجميع أن يتخلوا عن فكرة انقلاب عسكري على الحكم رغم انطلاق حركة «تمرد» يوم السادس والعشرين من أبريل ونجاحها في جمع مئات الألوف من التوقيعات في أول أيامها وبدء الدعوات للنزول لمظاهرات حاشدة ضد الإخوان يوم الثلاثين من شهر يونيو، يوم نزل أكثر من ثلاثين مليون مصري في جميع أنحاء مصر واستجاب الجيش  لأوامر شعبه وسقط نظام الإخوان بعد عام واحد من الحكم.
كان أمام الإخوان فرصة ذهبية للتربع على عرش مصر لعشرات السنين، لكن الله أراد لشعب مصر الخير الحقيقي وليس الخير الذي خدعوا به الناس بانهم أتوا يحملون للمصريين، أراد الله ان يكشف حقيقة وهم قدرة تيار الإسلام السياسي على الحكم، وأراد ان يسقط من أذهان المصريين وهم الاخوان الذي ظل يداعب العقول لعقود، فلما أتوا ظهرت الحقيقة الواضحة وأدرك المصريون أي وهم استطاعت الجماعة ان تصدره للمصريين على مر السنين. لسان حال المصري البسيط يقول ان الله يحب المصريين لانه ترك للإخوان الفرصة ليحكموا مصر ليعرفهم على حقيقتهم، فلو كان شفيق مثلا هو من نجح لما أتيح لمصر ان تجرب ما جربت وان تتمكن من ان تشفى منه سريعا.
من يدعون أنهم يدافعون عن الشريعة ينبغي ان يعلموا أنها شرعية سابقة، شرعية سقطت بالإرادة الشعبية، وإلا قياسا عبى ذلك فان شرعية الملك فاروق ونسله أحق بان تتبع!
لقد قرر المصريون من قبل ان يعطوا الفرصة، وقرروا ان يستعيدوا وطنهم وان يؤسسوا لشرعية جديدة تعبر عن رغبتهم الحقيقية في مستقبل لوطن يعرفونه لا وطن لا يعرفهم.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s