“أم الدنيا وأد الدنيا”

el manawy issue 28عبد اللطيف المناوي
“مصر ام الدنيا وهتبقى أد الدنيا” هذا احد التعبيرات المهمة التي كررها الفريق السيسي خلال الفترة الماضية عدة مرات، ذكرها قبل ثورة المصريين في الثلاثين من يونيو أمام جنوده وضباطه، وأطلقها أمام الشعب عدة مرات بعد نجاح ثورته التي حماها الجيش. قد تبدو الجملة وكأنها جزء من المبالغة اللفظية او التعبيرات الجمالية في اللغة او قدرة تلاعب بالألفاظ ليحظى المتحدث بآيات المستمعين، لكن الحقيقة التي وجدتها منذ اللحظة الأولى وتأكدت لدي بعد ذلك بشكل عملي ان التعبير يحمل في داخله إيمان كبير بصحته وإمكانية حدوثه، إيمان داخلي لدى من اطلقه بقدرات هذا الشعب الذي فاجأ الجميع، حتى نفسه، بقدرته على الفعل وعلى تصحيح الخطأ إذا ما انزلق اليه.
مصر ام الدنيا تعبير نشأنا عليه وعشنا فيه وعاش معنا، هو أيضاً تعبير يستخدمه دائماً محبي مصر من العرب وهم كثر، واصبح هذا التعبير علامة مميزة لمصر بين أبناءها وبين محبيها. وقد يكون منطلق هذا التعبير عائد إلى ما تمتلكه مصر من حضارة وعمق في التاريخ وكثافة سكانية ووزن ومكانة في المنطقة والعالم، وهي الصفات التي تعرضت إلى تهديد بواسطة الجماعة التي كانت حاكمة، فهم لم يفهموا مصر وقيمتها في الحضارة الإنسانية والضمير البشري وحاولوا تقزيمها والتعامل معها باعتبارها ولاية صغيرة مهما كبر حجمها في ظل حلمهم بالدولة الإسلامية، قد يكون هذا السلوك وهذا القصور في فهم قيمة ودور مصر احد اهم العناصر التي عجلت بسقوطهم المدوي. رفض المصريون الإحساس بإهانة “ام الدنيا” على يد بعض من أبنائها ضلوا الطريق واهانوا وطنهم.
عادت ام الدنيا لقيمتها ووضعها بأيدي أبنائها الذين رفضوا العيش في ظل التقزيم. ونأتي الآن إلى الجزء الآخر من التكوين الجديد الذي اطلقه السيسي وأضاف اليه “أد الدنيا” ويكون السؤال هنا كيف يمكن لمصر ان تكون “أد الدنيا”؟ كيف يمكن ان تحتل مكانتها الصحيحة التي تليق بها بين الامم؟ كيف يمكن ان تدور في فلك العالم ، عالم القرن الواحد والعشرين، وليس فلك عالم القرن العاشر؟
وسوف ابدأ بالحديث السياسي قبل الحديث الاقتصاد. السؤال المطروح الآن هو أي التجار يمكن ان تسير فها مصر، التجربة التركية ام تجربة جنوب أفريقيا؟ يدور جدل سياسي بين المثقفين والسياسيين والمتخصصين حول اختيار أي الطريقين، ويمتلك كل طرف يميل لتجربة أسبابه التي تجعله أكثر ميلا لما يعتقد به، وكل تجربة تمتلك بالفعل أسباب نجاحها ومميزاتها، ويمكن ان نتناول ذلك مرة أخرى، صالة المصالحة ووضع الجيش في المعادلة السياسية وحدود دور القوى السياسية الدينية. كل هذه موضوعات حاضرة للمناقشة ولها أبعادها المختلفة.
أظن ان الخطوة الأولى نحو تأكيد مفهوم مصر التي ينبغي ان تكون “أد الدنيا” هو ان نتوقف عن البحث عن أي من التجربتين يصلح لمصر، تركية او جنوب إفريقية والإقتناع والعمل على يكون لنا تجربتنا المصرية، تلك التجربة التي تمتلك داخلها مقوماتها الخاصة القادرة على النجاح والمرور إلى الإمام بالوطن خارج منطقة النوات السياسية. يمكن بالفعل ترسيخ مفهوم التجربة المصرية التي بدأت بخروج شعبي هادر سائر استجاب جيش الشعب لنداء من يدينون لهم بالولاء فوقف مع الشعب وحماه وحقق له حلمه باستعادة الوطن. وبادر الجيش بتسليم السلطة ليؤكد انه فعل ذلك تدعيما لخيار الشعب ورغبته وليس رغبة في القفز على الحكم. ووضع خارطة طريق واضحة بدا الالتزام بها منذ الإعلان عنها من قبل القوى الوطنية المختلفة وتجاوب معها الأغلبية العظمى من الناس لإخراجهم من النفق. تكتمل هذه التجربة المصرية بالاتفاق على وضع مرحلة انتقالية ذات ملامح خاصة تتوافق مع التغيرات السياسية المهمة التي شهدتها مصر، وأظن ان هذه المرحلة يجب ان يكون فيها للجيش وضع واضح داخل المجتمع يعطيه صفة حماية الدولة والإرادة الشعبية لفترة زمنية يمكن تحديدها بدورتين برلمانيتن او أكثر، او دورتين رئاسيتين او أكثر، وان يتم إقرار مبدأ اختيار قيادة الجيش من داخله وبواسطة قياداته كما يحدث مع القضاء على سبيل المثال وذلك ولو لفترة محددة. هذا واقع جديد يجب ان يوضع في الاعتبار، ان هناك تغير مهم حدث في مصر ان الجيش المصري قد اصبح جزء من المعادلة السياسية رضينا او لم نرضى، ورضي الجيش او لم يرضى. لذلك أدعو لنقاش حول هذا الموضوع المهم الذي يضمن لمصر حالة حقيقية من الاستقرار الذي يؤمن لنجاح التجربة المصرية والبدء في طريق وصول مصر إلى وضعها الطبيعي بين الدول.
الجانب الآخر من الجهد هو الجانب الاقتصادي والذي يحتاج إلى مساحة أكبر للنقاش، ولكني اكتفي هنا بالقول ان مصر في حاجة إلى جهد مزدوج من أهلها واشقائها، عودة البناء وعجلة الإنتاج هي الأساس ، إعادة تفعيل وتطوير البنية التحتية هي هدف مهم وأظن ان للجيش دور كبير في هذه المنطقة. اما الأشقاء فيجب ان يعلموا ان مصر قد انابت عنهم بشعبها وجيشها في نزع ورم سرطاني كان سيتمدد ليعرف بهم، واقل ما ينبغي عمله هو الوقوف الحقيقي جانب مصر في هذه المرحلة لتأخذ مصر مكانتها التي تؤهلها لكي تكون “أد الدنيا” بأهلها واشقائها.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s