التواصل مع الآخر والعمى الاختياري

lg0iعبد اللطيف المناوي

حجم النشاط الخارجى والاتصالات الدولية التى قامت بها جماعة الإخوان، التى كانت حاكمة، فوق القدرة على التخيل، يبدو بالفعل أنهم كانوا يدركون أهمية التواصل مع الخارج لذلك لجأوا إلى شركات دولية كبيرة ومكلفة جداً للقيام بدور تقديمهم وتواصلهم فى عواصم العالم المختلفة، كانوا يجوبون المؤسسات الإعلامية الأوروبية والأمريكية على مختلف اتجاهاتها وهم مصحوبون بمرشديهم من خبراء العلاقات العامة من تلك المؤسسات، كان يتم تلقينهم جيدا الإجابات النموذجية عن الأسئلة المتوقعة من صانعى القرار داخل هذه المؤسسات ومن يشكلون الرأى العام من خلال كتاباتهم. والحقيقة، والعهدة على الراوى من الصحفيين الإنجليز الذين قابلوهم، أنهم أجادوا اختيار الشركات التى تتعاون معهم كما أجادوا دورهم المتوقع منهم. نتيجة هذا الترتيب العلمى المنظم استطاعوا أن يتواصلوا بشكل كبير مع وسائل الإعلام الدولية عندما انقلب عليهم المصريون وثاروا فى وجوههم وأطاحوا بهم. على الرغم من هذه الحقيقة التى أذهلت العالم إلا أن الماكينة التى سبق إعدادها على مدار أكثر من عامين تمكنت من إتاحة الفرصة الكاملة للإخوان لعرض الصورة من وجهة نظرهم وكما يرونها، ولأنهم يعملون مع خبراء فقد استطاع هؤلاء الخبراء أن يمدوهم بالأدوات واللغة التى يستخدمونها فى مخاطبة الغرب، واستطاعوا أن يجدوا لغة الخطاب التى تتوافق مع نسق التفكير الغربى والقيم التى يؤمن بها الغرب من مفاهيم الديمقراطية ورفض عدم احترام نتائج الانتخابات والانقلاب عليها. لذلك ركزت الجماعة بأعضائها وعملائها على التركيز على أن هناك رئيسا منتخبا أُخرج من السلطة وأن الجيش هو من فعل ذلك. وسادت حالة من العمى الاختيارى لدى عدد كبير من الإعلاميين والسياسيين فتجاهلوا حقيقة أن ملايين المصريين، يمكن القول الأغلبية العظمى من المصريين أصحاب حق التصويت، قد خرجوا إلى شوارع مصر كلها ولم يعودوا إلا بعد إسقاط حكم الجماعة، وإن المؤسسة الوطنية العسكرية انحازت بشكل كلى إلى هذا الشعب الذى هو مصدر السلطات وصاحب الشرعية الحقيقية، والذى إذا ما سحب ثقته من حاكم أو نظام فقد هذا الحاكم أو النظام أى شرعية يدعيها.

هذه الحقيقة الدامغة حول ما حدث فى 30 يونيو من ثورة شعبية حقيقية وغير مسبوقة لم تجد صدى إيجابيا حقيقيا لدى المتلقى الغربى أو خارج حدود مصر، وسبب ذلك ببساطة يعود إلى أننا لم نفعل كما فعل الإخوان عندما أدركوا أهمية إيجاد قنوات تواصل مع الآخر وبنوا جسورا مع هؤلاء، انشغلنا بالحديث إلى أنفسنا، رأينا الغرب يصف ما حدث بأنه انقلاب فأعلنا غضبنا من الوصف وعدم الفهم، لكننا أعلنّا ذلك لنا وبلغتنا ومن خلال وسائلنا المحلية. فى المقابل لم أستغرب عندما قرر الإخوان منع الصحافة والإعلام المحلى من التواجد فى محيط تظاهراتهم وتجمعاتهم بينما سمحوا للإعلام الغربى بالتواجد، ولم يكن غريباً أن يرفعوا شعاراتهم باللغة الإنجليزية لأنهم يوجهونها إلى صانع القرار الغربى بالأساس. وقد لاحظت تطورا مهما فى موقفهم عندما قرروا فجأة التوقف عن الحديث عن عودة مرسى فى شعاراتهم واستبدلوها بالحديث عن الشرعية والديمقراطية ونتائج الصندوق، وأظن أن هذا التغيير فى الشعارات كان بناء على نصيحة صحيحة لهم بعدم التمسك بهدف عودة من يعتقدونه رئيساً واستبداله بحديث يتفق مع المنطق وصحيح الفهم للعملية الديمقراطية، وهو أسلوب يتفق كثيرا مع العقلية الغربية. لكن المشكلة الكبيرة التى لم يدركوها أنه مهما استعملوا من أدوات علمية وطرق صحيحة فى عملية الإقناع فإن القضية الخاسرة ستظل خاسرة ولو بعد حين، وهم خسروا قضيتهم وظهر فسادها للجميع، وخسروا الداخل تماماً، ولن يفيدهم كسب الخارج مهما كان هذا الخارج، فقضية بلا أساس من واقع حقيقى على الأرض هى قضية خاسرة مهما حملت من أدوات إقناع.

ولكن، ماذا نحن فاعلون؟ ثبت لنا بشكل قاطع وعملى أننا بالفعل نفتقد الآليات والوسائل الصحيحة فى مخاطبة الآخر، لم نعتمد، مؤسسات وجماعات وأفراداً، المفاهيم العلمية والوسائل الصحيحة فى تعاملنا مع الآخر، ظللنا نحدث أنفسنا ونحن نعتقد أن على الآخر أن يبذل هو المجهود ليعرف ماذا نريد، نحن نخاطب أنفسنا ونكتفى بإحساسنا بأننا على صواب، ولا يهم ماذا يفهم الآخرون. أظن أن هذه إحدى مشكلاتنا المهمة التى ينبغى أن نتوقف ونتدارسها ونجد حلاً لها، نحن غائبون عن التأثير فى خارج مجتمعاتنا، غير قادرين على التواصل الصحيح مع الآخر، مشغولون بأنفسنا وبآرائنا فيما يتعلق بنا، ولذلك ننجح فى عمليات الإقناع والجدل فى الداخل ونفشل فيها خارجيا. وما حدث فى 30 يونيو هو نموذج لقضية حقيقية تمتلك كل عوامل الحق والحقيقة والإقناع ولكن وجدنا صعوبة فى تسويق حقيقتها. هذا يؤكد فقط أهمية اعتماد الأساليب والطرق والوسائل العلمية والصحيحة فى التواصل مع الآخر، وأظن أن هذه إحدى المهام الرئيسية التى ينبغى أن تكون من بين أولويات المرحلة المقبلة. وأرجوكم انسوا مسألة الوفود الشعبية أو الشبابية التى تريد أن تسافر للخارج لشرح الصورة الحقيقية، فهذا ليس هو الأسلوب الصحيح فى التعامل، أساليب الرحلات المدرسية ليس هو السبيل للتواصل مع الآخر.

نجح الإخوان فى استخدام أدواتهم الخارجية لكنهم فشلوا لأنهم خسروا الداخل خسارة تامة، فخسروا المعركة، ونجحنا نحن لأننا أصحاب حق وقضيتنا قضية شعب، لكننا وجدنا صعوبة فى تسويق موقفنا للخارج، هذا أحد الدروس التى علينا استيعابها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s