دعم مصر الحقيقي

photoعبد اللطيف المناوي
التقدم إلى الإمام ليس هدفا نهائيا، إنما استمرار التقدم إلى الإمام هو الهدف الرئيسي، لذلك فان قوة الدفع الأولى على أهميتها ليست كافية لبلوغ الغاية ما لم تكن متبوعة بطاقة مستمرة تضمن الاستمرار. من هذا المنطلق فإنني اقدر جداً الحملة التي بدأت تحت عنوان وهدف “دعم مصر” وكان تفاعل المصريين معها دليلا حقيقيا على ان الروح المتشبثة بالحياة هي المنتصرة دائماً داخل الجسد الوطني المصري، وانه مهما تملكت من الشكوك حول قدرة المصريين على الفعل في مرحلة ما فان مفاجأة جديدة يخرج بها علينا المصري من كنزه الذي لا ينتهي ليثبت تلك الروح المتمردة المختفية حلف رقائق مما يبدو تسليما وخضوعا للأمر الواقع. هذا ثبت واضحا أثناء الثلاثين من يونيو وما بعدها وحتى الآن، وأتمنى ان يستمر. وفي هذا السياق كان ذلك التفاعل مع حملة دعم مصر والتي بدا رد الفعل فيها عظيما وتجاوب المصريين معها يتجاوز التوقعات والأفكار الابتكارية لمصادر دعم مختلفة كانت أيضاً متعددة وخلاقة.
ولكن، هل هذا وحده قادر على ان يعيد بناء مصر، هل التبرعات النقدية والعينية مهما عظمت قادرة على ان تعطي لمصر قوة الدفع المستمرة؟ اعتقد ان الإجابة جميعنا يعرفها. وأود ان أؤكد هنا تقديري الكبير لفكرة دعم مصر وتقديري للقائمين عليها وعلى تنفيذها، وأدعو الجميع إلى المشاركة فيها كل حسب قدرته وقناعته، ولكني هنا أناقش أهمية البحث عن طرق صفيحية لديها ضمانات الاستمرار. الدعوة لدعم مصر هي حالة تثير قدرا كبيرا من التقدير والاحترام، وهي دلالة على رغبة المصريين الحقيقية وتأييدهم للتغيير الحادث، لكنها دلالة وليست طريقا.
اعلم تماماً ان دولا شقيقة بحق لمصر والمصريين في مقدمتها دولة الإمارات والسعودية والكويت قد أبدت في وقت مبكر موقفها الداعم للمصريين وخيارهم مؤكدين دعمهم وتقديرهم لموقف الجيش الذي اثبت ان ولاءه الأول هو الشعب، هؤلاء الأشقاء أعلنوا بشكل قاطع ومنذ اللحظة الأولى دعمهم لخيار الشعب، وترجموا هذا الالتزام بتحرك سريع على الأرض تمثل أوله في ذلك التصريح الحماسي العملي ذو الدلالة عندما قال مسؤولا إمارتها ان قوافل الطاقة التي تحتاجها مصر سوف تبدأ في أبو ظبي وتنتهي في القاهرة، وهذا صحيح بمنطقه العملي، فمن الواضح ان نية وقرار هذه الدول وهؤلاء الأشقاء هو الدعم الكامل، ولا يقتصر الموقف على هاتين الدولتي ولكن هناك دولا أخرى انضمت من بينها الكويت، وجميعهم يعلنون أنهم سوف يعملون على إقالة مصر من عمرتها الاقتصادية وسوف يفعلون ذلك بوسائل تدعم الاقتصاد المصري ولا ترهقه مستقبلا.
 أيضاً، ولكن، هل هذا كافي لإعادة بناء مصر من جديد؟ أظن ان الإجابة واضحة، لن تبنى مصر إلا بالعودة مرة أخرى إلى دائرة الفعل، استعادة قيمة العمل لدى المصريين، ولكي يعود هذا فان المطلوب تهيئة المناخ لهذه العودة، لذلك فإنني هنا أطالب القوى السياسية والشبابية والعمالية على تبني دعوة العودة إلى دفع عجلة الحياة في مصر مرة أخرى، والتوقف عن استخدام الأوضاع المعيشية او المطالب الفردية او الفئوية مبررا لإيقاف العمل. أيضاً ترشيد أساليب التظاهر والاعتصام والإضراب بحيث لا يؤدي ممارسة تلك الحقوق دون وعي وتنظيم إلى شلل في جسد الدولة. هذا يتطلب بالمقابل من الدولة ان تكون على قدر المسؤولية التي يتحملها النظام الآن، وهذا لن يتأتى إلا باعتماد العمل وفقا لدولة القانون التي يكون فيها القانون هو السيد وهو المحدد لسلوك الجماعات والإقرار ومؤسسات الدولة.
اقتصاديا لن تكون هناك فرصة لإعادة ضخ دماء حقيقية في جسد الدولة المنهك سوى عن طريق اتباع قواعد قانونية واضحة ومطمئنة لكافة أطراف العملية الإنتاجية من عمال وإدارة ومستثمرين. لقد لاحظنا خلال الفترة الماضية تلك الحالة التي دفعت بمعظم المستثمرين، المصريين قبل العرب والأجانب، إلى الفرار من السوق المصرية، وذلك بسبب ذلك المناخ الطارد الذي سكن الأجواء، ما بين مطاردات قانونية عن غير أسس وعمليات إرهاب مارسها البعض من المرتبطين بالنظام الإخواني السابق الذين حاولوا الاستيلاء على كل ما يمكن الاستيلاء عليه من الآخرين مستخدمين في ذلك نفوذهم او نفوذ من تسلقوا على ظهورهم من قيادات الجماعة. السبيل الآن هو إعادة مناخ الاستقرار إلى أجواء الاستثمار. وهناك عدة خطوات أظنها جديرة بتحقيق ذلك الاستقرار نسبيا ان أخذت. واقصد هنا تلك المشروعات التي توقفت او تعاني من خطر التوقف لأسباب مرتبطة بعدم القدرة على اتخاذ القرارات في المرحلة الأخيرة او لتعارض اتخاذ قرارات صحيحة لصالح هؤلاء المستثمرين لتعارضها مع مصالح أصحاب النفوذ.
من بين الكثير الذي سمعت عنه من معوقات تلك الحكاية عن تردد عدد كبير من الأسماء الكبيرة لان يدخلوا مصر ليعملوا فيها لاحساسهم بان المناخ غير مناسب، أيضاً مستثمرين كبار انشاوا مشروعات كبيرة مهددة بالشلل لأسباب غير واضحة. واسألوا في هذا عن المستثمرين الإماراتيين الذين كانوا يعاقبون بسبب موقف بلادهم من الجماعة التي كانت حاكمة.
مصر لن تتخذ مكانها الطبيعي بين الامم التي تليق بها إلا إذا بدأ أبناؤها في العمل الجاد من أجل ذلك الهدف في ظل دولة قانون.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s