قل إرادة شعب ولا تقل انقلاب

el manawy issue 25عبد اللطيف المناوي
عندما كنت أرى وجوه من حكموا مصر لمدة عام على شاشات التلفزيون كنت اشعر ان هذه الوجوه لا اعرفها، ليس لانها وجوه غير مصرية، على العكس هي وجوه شديدة المصرية لكنها غيرت في انتماءها او على الأقل عدلت في ترتيب أولوياتها فقررت ان تستبعدنا جميعا وتنفرد هي بالوطن كله كغنيمة وكخطوة من اجل تحقيق أهدافها التي تتجاوز الوطن إلى أحلامهم الخاصة في الخلافة الإسلامية التي يتحول فيها هذا البلد بتاريخه إلى مجرد ولاية، ولذلك فقد تغيرت ملامحهم، او هكذا شعرت. ولأنني كنت أرى ذلك بوضوح منذ اللحظة الأولى فقد تملكني ذلك الشعور المستمر بغربتي عن هؤلاء رغم انه كان لي من بينهم أصدقاء قرروا ان انتماؤهم للجماعة اهم من الصداقة.
لم يقف الأمر بهم عند هذا الحد بل بدأوا في عملية تجريف حقيقية ومؤثرة في ملامح الشخصية المصرية، وبدأنا يفرضون واقعا جديدا ذو ملامح مختلفة، وكما ذكر لي صديق انه شعر أنهم يغيرون ملامح وجهه. وأظن ان هذا التشبيه هو الأكثر تعبيرا عن الإحساس الذي كلأ المصريين، وهذا يفسر جزئيا هذا العدد الضخم من المصريين الذين قرروا ان يخرجوا ليحموا ملامحهم ووجوههم من التشويه الذي بدأته الجماعة  ولم تمتلك الوقت كي تنفذه. كما ذكرت سابقا فان المثل المصري الدارج يقول “العند يولد الكفر” وبالفعل نجحت جماعة الإخوان المسلمين في ان تغير ملامح قديمة في الشخصية المصرية، فالمصريون لا يثورون بسهولة و”نفسهم” طويل مع حكامهم وقصير في الاحتجاج، ولكن لان العند يولد الكفر فقد تمكنت الجماعة بعنادها وإصرارها على إنكار الواقع قد ولدت غضبا حقيقيا ولا نهائي داخل نفوس المصريين، دفعتهم إلى الكفر بهم ويحكمهم وبرجلهم الذي سكن قصر الرئاسة. هذا الكفر بهذا النظام وهذه الجماعة غير من شخصية المصري فثار بسرعة واستمر في الثورة ضدهم إعلانا عن كفره بهم، ولم يترك المصريون الشارع حتى اندحرت الجماعة ورئيسها وعاد للمصريين وجوههم.
خرج المصريون، إلا قليلا، واستدعوا المؤسسة الوحيدة القادرة على الفعل في هذه المرحلة، في الواقع هي المؤسسة الوحيدة التي نجت نسبيا من عمليات للتجريف وهدم الثقة، استطاعت هذه المؤسسة، التي هي الجيش، ان تستعيد بسرعة مكانتها عند المصريين، حتى أولئك الذين هتفوا ضدهم في الميادين من اشهر قليلة. ظل البعض متشكك في موقف الجيش خاصة مع الجرح الذي لم يلتئم لدى كثير من المصريين الذين شعروا ان المجلس العسكري السابق قد تخلى عنهم في صفقة مع الإخوان، ولكن لانه لم يكن هناك مجال للجميع إلا الأمل في الجيش فقد تغلبوا على إحساسهم بالشك وظلوا ينتظرون اللحظة التي يعلن فيها الجيش انحيازها للناس مرة أخرى. ولم يخيب الجيش أمل الملايين الذين نزلوا في الشوارع بحثا عن وطنهم المخطوف.
لم اشك لحظة في موقف الجيش، ثقتي كانت كبيرة في قائده الحالي الفريق السيسي، الأسئلة حوله كانت كثيرة، والتشكيك في انتماءاته كانت حاضرة، لكن ردي عليها دائماً لكل من سألني ان الرجل متدين مثل كثير من المصريين، لكنه ينتمي فقط إلى هذا البلد والى مؤسسته الوطنية، لم يراودني الشك حتى عندما بدا الوضع والعلاقة مع مؤسسة الرئاسة السابقة مثيرا للتساؤل، حتى عندما كانت الإجابة صعبة على السؤال: ماذا لو تعارضت إرادة من يشغل منصب القائد الأعلى مع إرادة القائد العام وزير الدفاع؟ ما لمسته من وقت مبكر هو ذلك الانتماء الحقيقي والراسخ بالوطن وجيش الوطن. لذلك فان ما ذكره السيسي في بيانه من أنهم لبوا نداء الملايين من المصريين هو تعبير صحيح وينفي عنهم شبهة الانقلاب.
لكن الولايات المتحدة الأمريكية وبعض اتباعها في أوروبا أصروا منذ اللحظة الأولى على وصف ثورة المصريين بالانقلاب، وهذا الموقف الغريب قد يكون مفهوما ومتوقعة من أمريكا، لكنه مفاجئ نسبيا من دولة كبريطانيا. الإدارة الأمريكية التي بدت مرتبكة تجاه ما رأته يحدث في مصر عكست هذا الارتباك في تصريحات مسؤوليها، والإحساس بالفشل تملكهم، فما حدث في مصر لم يعد سرا انه بإدارة، او على الأقل دعم، أمريكي، ولم يكونوا يتوقعوا او يتمنوا ان يحدث ما حدث. صديق لي التقى مع السفيرة الامريكية باترسون قبل الثلاثين من يونيو بيومين وسألها عن تقديراتها لما ستسفر عنه المظاهرات وما إذا كانت تطيح بمرسي ام لا فكانت إجابتها واثقة متعالية، على حد وصف صديقي، وهي ترد بثقة قائلة بلكنتها الامريكية الملحوظة: هذا أمر غير قابل للحدوث.
لكن ماحصل على ارض الواقع كان صادما للأمريكيين، فقد هدم المصريون مشروعهم الذي تبنوه ودعموه، مشروع الحكم من خلال بعض مجموعات الإسلام السياسي المستعدة للتعاون التام معها بأي ثمن بعد ان أقنعهم   بانه الفصيل الوحيد المنظم القادر على إدارة البلاد. مفاجأة السقوط المدوي للجماعة في مصر أصابتهم بالغضب والارتباك فبدأت الاتهامات على الفور بان الجيش انقلب على الشرعية وعلى “أول رئيس مصري منتخب” واعتبرته عمل ضد المسار الديموقراطي وكأنهم لم يروا ملايين المصريين في كل شوارع مصر، وكأنهم عجزوا عن رؤية شيخ الأزهر وبابا الكنيسة واحد أكبر زعماء المعارضة وقيادات الشباب الذي قاد التمرد وهم يعلنون مجتمعين اتفاقهم واجماعهم على خارطة الطريق التي طرحها السيسي تعبيرا عن إرادة الجماهير التي احتلت ميادين مصر وشوارعها، ولم يرغبوا ان يسمعوا تأكيد السيسي على حرص الجيش على عدم الانخراط في السياسة.
هذا الإصرار على الإنكار والتلوين بقطع المعونات لا أظنه يصب في صالح صورة أمريكا في الشارع. اما بريطانيا المفترض فيها فهما أعمق لشأن الشرق الأوسط لأسباب تاريخية وجغرافية فان موقفها التابع لأمريكا في شؤون الشرق الأوسط وآخرها الموقف من ثورة المصريين على الإخوان والإصرار على اعتباره انقلاب فان هذا لا يصب إلا ضد مصلحتها وصورتها لدى الشارع العربي والمصري.
عندما استمعت إلى السلام الوطني داخل المحكمة الدستورية العليا وقت قسم الرئيس المؤقت استعدت شعورا قديما ظننت انه ضاع.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s