رسالة إلى أمير قطر

The-Pearl-Dohaعبد اللطيف المناوي

تظل ذاكرة الإنسان قاعدة معرفته وعلاقاته وسلوكه حتى دون أن يدرى، وعندما أغوص فى ذاكرتى أتذكر عمى ضياء، رحمه الله، الذى كنت أنتظر بفارغ الصبر متى نذهب لزيارته ونقضى أياما مع عمى وعائلته. أدين له بحبى للقراءة، فقد كانت لديه مكتبة لا أحاول أن أتذكر حجمها لأنها فى ذاكرتى أكبر مكتبة فى حياتى، حتى لو كانت أرففا قليلة ودولابا زجاجيا. من خلال عمى ضياء أحببت القراءة، ومن خلاله أيضاً سمعت لأول مرة عن مدينة عربية اسمها الدوحة، وعرفت وقتها دولة اسمها قطر. عمل عمى هناك، كان مدرسا للغة الإنجليزية من بين الرعيل الأول الذى ذهب هناك ليساهم ضمن مصريين كثر فى نهضة دولة عربية حديثة. كان يتحدث عن صعوبة الظروف المعيشية هناك وعن طيبة أهلها فى الوقت نفسه. أحببت هذه المدينة لأن عمى عندما كان يعود فى إجازة الصيف كان يعود محملا بالهدايا لكل فرد فى العائلة، وكطفل كانت هذه من لحظات السعادة، وظلت الدوحة فى ذهنى محفورة كمصدر لاستحضار لحظات سعادة طفولية.

زرت الدوحة مرتين فى حياتى، الأولى فى النصف الثانى من التسعينيات والتقيت وقتها بجاسم العلى أول مدير لقناة الجزيرة، وكان يشاركه فى المكتب نفسه محمود السهلاوى الذى أظنه كان المسؤول الإدارى وقتها، كنت مستبشرا بوجود هذه القناة الحرفية حتى لو كانت قائمة على أنقاض الـ«بى بى سى» العربية التى كانت قد أغلقت قبلها بقليل. أذاعت الجزيرة وقتها الفيلم الوثائقى الذى كنت قد أنتجته وقتها عن قصة الوحدة بين مصر وسوريا. كنت سعيدا بالتجربة، حتى إنى تمنيت وقتها لو أنها كانت مصرية، ووجدت فى جاسم العلى والسهلاوى روحا منطلقة وحماسة مهنية مازلت أذكرها حتى الآن.

المرة الثانية كانت منذ عدة أشهر، وأقر بأننى اضطررت للقيام بها فقط من أجل لقاء صديق عزيز كان يجب أن ألتقيه، ولم يكن ذلك ممكنا إلا فى الدوحة. كان إحساسا مختلفا ومتضاربا، فقد جرت مياه كثيرة فى النهر كما يقولون فى الفترة ما بين الدوحة، مصدر السعادة الطفولية، والدوحة مصدر النكد على المستويين الشخصى والشعبى. يكفى أن أستحضر ذلك التعليق الذى علقت به المضيفة المصرية على بوابة الطائرة المتجهة للدوحة وقالت لى بدهشة: «إنت آخر واحد أتخيله يذهب هناك» وأضافت: «ماتطولش»، توقفت أمام الملاحظة التى توافقت مع إحساسى الداخلى بعدم الارتياح للذهاب هناك، وتناقض ذلك مع الإحساس القديم والقريب نسبيا بمدينة تمكنت أن تقلب شعورى نحوها ومعى ملايين من المصريين إلى مشاعر لن أصفها إلا بأنها مشاعر سلبية.

ماذا حدث بين التاريخين ليقلب المشاعر ويغير الوجوه؟ هل نحن من تغيرنا أم الآخرون؟ ما الذى كان يساوى أن تخلق حالة عداء مع قطاع كبير من مواطنى دولة بسبب سياسات لم تكن مفهومة لدى معظمهم؟.. لن أخوض فى تفاصيل كثيرة يمكن أن يضيع معها المعنى من هذه الرسالة، لكنى سأتوقف سريعا عند بعض النقاط والحكايات التى يمكن أن تكون مفيدة فى تفسير ما حدث.

أذكر نقاشا حاميا دار بينى وبين صديق قطرى، لا أدرى إن كان هذا المفهوم مازال لديه أم لا، حول العلاقات بين مصر وقطر، وكان ذلك عام ألفين وتسعة، بادرته بالسؤال: لم أكن أعلم أن هناك حدودا مشتركة بين قطر والسودان؟ استغرب تعليقى فقلت له: «لم أفهم ذلك الحرص القطرى على التدخل فى ملف دارفور بشكل واضح فيه الرغبة فى إفساد الدور المصرى وجهودها فى هذا الملف الذى يعنيها باعتبارها دولة ذات حدود مشتركة. لقد لاحظ المصريون وقتها ذلك الحرص القطرى على استباق أى خطوة مصرية للقفز عليها أو إفسادها. وهذا الموقف كان نموذجا لفعل متكرر فى قضايا عديدة ليس هنا مجال سردها.

أما الموضوع الأكبر فى العلاقة القطرية المصرية فهو قناة الجزيرة التى يمكن فهم دورها فى إطار المناورات السياسية، لكن غير مفهوم أو مبرر دورها الساعى دائماً إلى زعزعة المجتمع المصرى. لست ضد الحرفية التى كانت تمتلك منها الجزيرة الكثير، لكنى بالتأكيد أؤمن بأن المصداقية جزء أصيل فى الحكم على المهنية. الأمر الأكيد أن قناتكم الجزيرة قد خاصمت الحرفية، وقررت دوما أن تنحاز لطرف أو على الأقل أن تستهدف طرفا. لو رغبتم فى معرفة نماذج فأنا أقترح عليك أن تكلف من تثق فيه ولديه المقدرة والآليات ما يمكنه من تحليل مضمون القناة تاريخيا.

أعود لأشير إلى أكبر حدث شهدته مصر منذ مطلع عام ٢٠١١ الذى انتهى بالإطاحة بنظام مبارك، الذى كان فى ضيافتكم قبلها بأسابيع، الأمر الأكيد أنه رغم إعجاب البعض وقتها بموقف الجزيرة، وهو الإعجاب الذى تحول بعدها إلى نقيضه بعدما تكشفت الأوضاع وحقيقة الأدوار وحالة الاختراق والسياسة التحريرية الموجهة التى تخاصم المهنية وتطيح بمفهوم الموضوعية عرض الحائط، أقول إنه على الرغم من هذا الإعجاب الوقتى لحظتها فإنه كان سلوكا سياسيا من الجزيرة، تحالفا مع جماعة فاشية تحولت بعدها، أى القناة، إلى بوق وآلة دعائية لهذه الجماعة التى اختطفت مصر، ووجدت قناة تتطوع لتكون أداتها وفزاعتها أمام كل من يخالفها، ليس هذا فقط، بل لقد وجدت الجماعة دولة تقف معها وتدعمها وتمدها بإكسير الحياة، وبدا الأمر كأنه حلف بين قطر والإخوان على حساب المصريين. هذه هى الصورة الحقيقية لدى القطاع الأكبر من المصريين ولا تصدق من يقول لك عكس ذلك، وإن اتهمنى البعض بشخصنة الموقف فأنا لا أنكر الشخصنة ولدى ما يبررها، لكن الأكيد أن هذه المشاعر السلبية جداً موجودة بحق وبعمق أكثر عند كثير جداً من المصريين، أكبر ممن سوف يحاول من حولك أن يصوروا أو يستهينوا.

التفاصيل كثيرة ونقاط الجدل لا نهائية والمرارة موجودة، وقد تكون موجودة على الطرفين، لديكم أيضاً، لكن أظن أن مرحلة جديدة قد بدأت كان رد فعل دولتكم عليها إيجابيا رغم صوته المنخفض من خلال موظف فى وزارة الخارجية، وكانت برقيتكم للرئيس المؤقت تصرفا راقيا وذكيا، لكن المؤسف على الطرف الآخر أن تستمر قناتكم فى تحدى أغلبية المصريين، وتحالف بوجه مكشوف الجماعة التى أطاح بها المصريون إلى غير رجعة، حتى إن السؤال الآن: من يملك القناة دولتكم أم التنظيم الدولى؟ وأرجوك ألا تلقى إلينا بخرافة ألا سيطرة للدولة عليها. كل ما يطلبه المصريون هو أن تتعامل بحرفية حقيقية مع أحداث بلدهم، ليس أكثر أو أقل. وإن كان هناك غضب من إغلاق مكاتبها، فلا أظن أن هذا الغضب يمكن أن يبرر معاداة أمة بحالها. كما أننى ضد الانحياز فى ممارسة العمل الإعلامى، فإننى ضد كل ممارسات من شأنها تقييد حرية التعبير، وأظن أن هذا الموقف هو وقتى ينبغى أن يزول باستعادة قانونية ومهنية العلاقة بين القناة والدولة.

لقد توليت قيادة بلد لكثير من المصريين مشاعر إيجابية نحوه لأسباب مختلفة، طفولية أو عملية أو قومية، أظن أن هدفك الأول الآن فى هذا الملف أن هو أن تستعيد دفء هذه المشاعر، أن تستعيد علاقات بين شعب أحب بلدكم وشعبكم، لكنه يمتلك الكثير من المشاعر السلبية نحو سياساتكم وإعلامكم الذى أثر سلبا فى كل شىء.

لقد توليت مسؤولية بلدكم، وليس عليك أن تدفع فواتير لا تخصك، أنت الآن حر من أى تاريخ متوتر أو تحالفات مع جماعات أو مصالح آخرين، لست حالما بأدوار البطولة ولا باحتلال الصفحات الأولى للصحف العالمية، بل أنت ممثل لجيل جديد، جيل عصرى يتوافق مع الزمن.

مثلى مثل كثير من المصريين يتمنى أن تعود مشاعره كما كانت أو كما يتمنى، عليك أن تسد الفجوة الزمنية والنفسية الكبيرة بين الدوحة مصدر السعادة والدوحة التى تحولت إلى مصدر للغضب والانزعاج.

نعيش صراعا نفسيا بين «دوحتين»: دوحة البشر ودوحة الحكم. كنت أنتظر عودة عمى رحمه الله من الدوحة التى أحببتها وأنا طفل دون أن أعرفها، وانتهى بى الأمر إلى أن أشعر بعدم الارتياح والقلق منها وأنا كبير وأنا أدخلها. ليتك تحل هذا التناقض.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s