يوم استعادة مصر

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

اعتراف واجب فى البداية، لم أكن من المتوقعين أن يكون الحشد ليوم الثلاثين من يونيو نتيجة تذكر، وذلك لأسباب متعددة، منها أننا اعتدنا فى جزء من ثقافتنا على ما سبق، أن أشرت إليه سابقاً عدة مرات من إدماننا للجمل غير المكتملة، اعتدنا حتى فى سلوكنا اليومى أن نبدأ فعلا أو مهمة ما بشكل ممتاز، ثم نبدأ فى التراخى والتراجع، ثم التكيف مع الواقع، وآفة التكيف هذه تظل دائماً الخطر الحقيقى، الذى يهدد أى تقدم أو تغيير للواقع. أيضاً الإحساس الشديد بالإجهاد، كان أحد العوامل التى جعلتنى فى البداية غير متوقع لفعل كبير من خلال هذه الدعوة للاحتشاد. على الطرف الآخر توقعت أن الجماعة ومن معها لن يتنازلوا بسهولة عن الغنيمة الأكبر التى سقطت -أو أسقطت- فى «حجرهم» وهى حكم مصر، وبالتالى توقعت منهم أن يستحضروا كل أشكال الذكاء والمكر والخديعة، ليمرروا الفرصة على معارضيهم، ويتجاوزوا الأزمة والمواجهة بسلسلة من التصرفات والإجراءات، التى تمكنهم من إقناع الجماهير من غير حاسمى الموقف من البقاء فى منازلهم وعدم المشاركة ضد نظام يحاول أن يكسبهم ولو بخداع الكلمات وليونة التصرف وحسن المعاملة.

الآن أُكمل الاعتراف بأننى أخطأت فى توقعى السابق، على الرغم من ثبات بعض عناصر التخوف مثل الإجهاد وعدم استكمال الفعل، لكن الحالة العامة التى أستطيع ويستطيع كل مصرى أن يلمسها، هى ذلك الإحساس الجارف الذى يجمع قطاعات مؤثرة من المصريين ويدفعهم للإصرار على إعلان الغضب والرغبة فى الخلاص، تلك الروح السائدة الآن هى العامل الرئيسى لخلق الأمل مرة أخرى فى قدرة المصريين على الفعل، ولكن هذا الفعل سيقابله تحديات مهمة، إدراكها مبكراً والتعامل معها سوف يكون حاسماً، ولكن قبل أن أشير فى عجالة فى المساحة المتاحة لهذا المقال إلى هذه التحديات أتوقف عند الجماعة وحلفائها الذين وضعوا أنفسهم موضع الطرف الآخر، كان مفاجئا لى هذا الصلف والعنجهية والإصرار على الإنكار الذى يتلبسهم، وأظن أن الله قد أغشى أبصارهم، فاندفعوا فى طريق الخطأ والإصرار على التعامل بغباء سياسى ملحوظ مع التحديات التى يواجهونها. المتتبع لسلوك الجماعة وأتباعها خلال الفترة الأخيرة سوف يفاجأ بهذا القدر من الإصرار على الإثم السياسى تجاه المواطنين. لقد نجحوا فى خلال أقل من عام أن يكتشفوا حقيقتهم التى ظلت خافية إلا على قلة ممن درسوهم، أو اهتموا بهم أو تعاملوا معهم، لقد نجحوا فى أن يفقدوا مساحة من الشعبية والتعاطف التى كانوا يحظون بها بشكل لم تنجح الدول فيه من قبل رغم المحاولات المستمرة. كان هذا الفضح وهذا الكشف أحد أهم العوامل التى أدت لاكتساب يوم استعادة مصر فى الثلاثين من يونيو قوة جديدة وزخماً هائلاً من هؤلاء البسطاء من المصريين الذين انخدعوا ثم أفاقوا على حقيقة حكامهم الجدد، فقرروا أن يخرجوا ليطالبوا بإنهاء عصر الخديعة.

إذن اكتسب يوم الثلاثين من يونيو بعداً جديداً وتحول إلى أمل تمكن من خلقه بعض المصريين الذين استمروا على إيمانهم بقدرة الشعب على الفعل، والسؤال المهم هنا، هل 30 يونيو هو بداية أم نهاية؟ السؤال حمال أوجه ككثير مما نعيشه، وبالتالى فإنه يحتمل إجابات عديدة يمكن أن تكون متناقضة، لكنى سأحاول الإجابة بدون ترتيب. هذا اليوم بالتأكيد سوف يكون نقطة فاصلة فى مستقبل مصر السياسى، الأكيد أنه أيا ما كانت النتائج، فإن المعادلة السياسية فى مصر سوف تكون قد اختلفت، وسوف يكون هناك ما قبل وما بعد، أى أن اليوم سوف يكون تأريخا. ولكى يكون هذا اليوم فى صالح المصريين جميعاً، ولكى يكون بحق يوم استعادة، فإن ذلك يتطلب التعامل مع ما أشرت إليه سريعاً من معوقات بشكل جدى. فمن الخطأ أن يخرج من يخرج وهو يعتقد أنه سوف يغير كل شىء فى هذا اليوم، لكن يجب أن يفهم المصريون أن هذا اليوم هو بداية الفعل وليس كل الفعل. لا بد أن يفهم الجميع أن المطلوب هو الاستمرار وليس مجرد البداية، على الجميع أن يفهم وأن يعمل من أجل إكمال الجملة. لا مجال للعودة إلى الخلف، لأنه لو حدث فإن المعادلة هنا ستختلف، ولكن وبشكل درامى قد يدفعنا لأن نعيش أجواء انتقامية لنظام عاداه شعبه، ولم يتمكن من الخلاص منه، لذلك ليس أمام الجميع إلا الاستمرار.

30 يونيو لحظة فارقة فى تاريخ مصر، لحظة مفترق طرق حقيقية ما بين طريق الدولة المصرية المدنية الوسطية، دولة كل المصريين، وبين الدولة المختطفة من جماعة لتحويلها إلى جزء من مشروع لدولة دينية، تخاصم الوسطية والمواطنة والمشاركة والاعتدال. ويبدو أن معظم قطاعات الشعب المصرى قد حسمت أمرها فى اختيار طريق العودة إلى الحضارة الإنسانية وتصحيح المسار.

يظل السؤال عن وماذا عن اليوم التالى؟

وهذا حديث آخر الكل مدعو للمشاركة فيه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s