عندما يفقد النظام عقله

download2عبد اللطيف المناوي

لا أعلم تحديداً من يقوم بنصيحة حكام مصر هذه الأيام؟ هل نجحت المعارضة فى اختراق السياج الحديدى للجماعة وتمكنت من زرع شخصيات تنصحهم بما يؤدى إلى ازدياد السخط الشعبى عليهم، وبالتالى ضمان أكبر حشد يوم الثلاثين من الشهر الجارى؟ هل يعمل هذا الناصح على خلع آخر أوراق الشرعية عن سلوك هذا النظام ليظهره على حقيقته أمام من كان لديه بقية من شك حول مدى صدق نوايا هذه الجماعة تجاه الوطن؟

لقد نجحت الجماعة الحاكمة فى التأكيد على كشف حقيقتها كجماعة تعمل من أجل صالح التنظيم ولا يهم هنا الوطن أو المواطن أو المصلحة القومية الأعلى عندما يتعارض ذلك مع مصلحة التنظيم. أيضاً يثبتون- كما ذكرت سابقا- أنهم يعملون بمبدأ «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم» ويصرون على تحدى الإرادة الشعبية من أجل صالح الجماعة، ولا صوت يعلو فوق صوت مصلحة التنظيم الذى لا نعلم حدوده، ولكننا ندرك الآن أن هذه الحدود تتخطى حدود الوطن.

جميعنا يعيش أجواء الثلاثين من يونيو، يعتبره البعض لحظة الخلاص من الجماعة الحاكمة، ويرى البعض الآخر أنها بداية إعادة مصر إلى الطريق الصحيح كدولة مدنية وسطية ووطن لكل المصريين. على الطرف الآخر فإن هذا التاريخ يشكل بالفعل لحظة تهديد حقيقية وقد تكون نقطة فاصلة للقضاء عليهم كتنظيم قابض على خناق كل المصريين، فماذا فعل التنظيم وممثله فى قصر الرئاسة؟ طبعاً الإجابة لا تحتاج إلى مجهود، فما يحدث من تحدٍ للإرادة الشعبية والإهانة لطموحات ومطالب وتوقعات الناس فاق التوقعات. ها هو من يشغل منصب الرئيس يقف فى وسط أبناء جماعته والمتسلقين عليها وحلفائهم الباقين، يجمعهم فى الصالة المغطاة تحت شعار خادع هو نصرة سوريا، فى حين أن الهدف الحقيقى هو إرسال رسائل التهديد والوعيد لكل من تسول له نفسه المعارضة أو محاولة التغيير، والأهم من ذلك دفع الثمن مقدماً لحلفائه وحماته فى الغرب بأن يجعل «من خده مداس»- حسب التعبير الدارج- ليعبروا به إلى داخل المنطقة ليحققوا أهدافهم حتى لو أدى ذلك إلى إشعال حرب طائفية فى المنطقة تكون مصر أول من يدفع ثمنها بسبب ذلك السلوك الغريب والموقف المناقض لمصلحة البلاد العليا فى التدخل بهذا الشكل وهذا الموقف فى الأزمة السورية، المهم أن يضمن حمايته من غضب الشعب.

يوم إعلان التبعية الكاملة فى الصالة المغطاة، مرسى وسط مجموعة من تابعى جماعته وضيوف الشرف تتساقط من بين أصابعهم دماء ضحايا مصريين وأجانب قتلوا على أيديهم. كل هذا على الهواء من خلال تليفزيون «قندهار»- التليفزيون المصرى سابقاً- فى مشهد يتحدى مشاعر أى مصرى ينتمى بحق لهذا الوطن.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل مارست الجماعة هواياتها فى استفزاز المصريين عندما أصرت على أن تدفع البلاد نحو المزيد من المواجهات، فخرجوا علينا بحركة المحافظين الأخيرة التى شملت 17 محافظة. لم تكن هذه الحركة كما قرأها الجميع إلا تأكيدا لإصرار الجماعة على تحقيق هدفها فى السيطرة والتمكين، وليصل عدد المحافظين المنتمين بشكل مباشر للإخوان إلى 14 محافظا، وتعمدوا تعيين قيادات إخوانية فى المحافظات التى أثبتت الانتخابات والاستفتاءات الأخيرة أن سكانها يعارضون حكم الإخوان، كالقليوبية والمنوفية والغربية والدقهلية، فى استفزاز واضح لأبناء هذه المحافظات.

ولا بأس أيضاً من استغلال هذه المناسبة لتسديد ثمن الصفقة- أو جزء منها- لأحد حلفائهم، وهو الجماعة الإسلامية، وذلك بتعيين محافظ للأقصر ينتمى للجماعة الإسلامية التى اعترفت رسميا بمسؤوليتها عن المذبحة التى راح ضحيتها 62 نفسا، منهم 58 من السياح الأجانب معظمهم من سويسرا واليابان، وأربعة من المصريين، فى 1997. بالمناسبة لم تهتم وسائل الإعلام العالمية فى كل هذا إلا بتعيين محافظ الأقصر، مذكرين الجميع بمذبحة الأقصر وضحاياها وذلك فى أفضل دعاية سياحية على الإطلاق لمصر التى تحاول بكل الطرق استعادة جزء من وضعها السياحى المنهار. ويأتى هذا السلوك من الجماعة ليؤكد عدم الاكتراث التام بمصالح الوطن، المهم مصلحة التنظيم وبقاؤه مهما كان الثمن.

ما فات ليس إلا بعض الدلائل على نظام فقد عقله بالفعل، نظام يتملكه سلوك الإنكار وتضخم الذات والرغبة فى الاستحواذ والسيطرة، نظام فقد القدرة على رؤية مصلحة كل أبناء هذا الوطن وجعل مصلحة التنظيم وحلفائه هى الأعلى مهما كان الثمن.

أظن أن نظام هكذا سلوكه يجب ألا يتوقع أقل من غضبة حقيقية من كل أبناء هذا الوطن عندما ينزلون نهاية هذا الشهر للإعلان عن بداية المشوار من أجل تغيير المعادلة السياسية وإنهاء حالة الانهيار، ومحاولة إعادة مصر إلى طريق دول العالم المتحضرة لا مأوى للإرهابيين وأعداء الإنسانية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s