لماذا استحق الزعامة والحب والاحترام؟

issue 22 el manawyعبد اللطيف المناوي

لا أظنهم وحدهم في جنوب أفريقيا هم من يصلون من اجل شفاء نيلسون مانديلا، ولا أظنهم وحدهم هم من سيحزنون لغيابه عندما يغيب، ولكن كثيرون في العالم يشاركون أهل جنوب أفريقيا حبهم لهذه الأسطورة، وسوف يكون الحزن عظيما عندما يغيب، ولكنه سوف يكون حزن نبيل ممتلئ بالفخر لأنهم يودعون قيمة إنسانية تغيب بجسدها ولكنها خالدة لمن يسعى من اجل عالم إنساني افضل.
التقارير الآتية من جنوب أفريقيا التي يرقد زعيمها وأبوها كما يطلقون عليه تظهر الناس وهم يصلون من اجله، ترتيلا ورقصا وغناء، شباب صغير لم يعرف ويلات التمييز العنصري إلا من خلال الكتب يتحدث عن مانديلا وكأنه يعرفه وعايشه رغم اختفاءه عن الساحة منذ فترة. كيف استطاع هذا الرجل ان يكون هذا الإنسان؟؟ سؤال ليس من اليسير الإجابة عنه في سطور، ولكني بحق انصح يأن يغوص من يريد ان يعرف في تاريخ هذا الرجل.
“أن تكون حرا لا يعني مجرد التحرر من الأغلال، ولكن أن تعيش وفق نمط حياة تعزز من خلاله حرية الآخرين وتحترمها”. كلمات تختزل نضالا دام نحو 30 عاما أصبح خلالها المناضل والسياسي الجنوب أفريقي الأكثر شهرة واحتراما في العالم نيلسون مانديلا زمزا للحرية وأبرز المناضلين والمقاومين لسياسة التمييز العنصري.
سطر الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا اسمه بحروف من نور في تاريخ جنوب إفريقيا، حتى تحول الى ما هو أشبه بالماسة النادرة التي تزين بها الدولة جبينها. وقد تحول مانديلا من مواطن جنوب إفريقي يصارع نظامًا عنصريًا إلى مواطن عالمي ارتفعت هامته فوق كل الهامات، وبات لقاؤه حلما وهدفا ليس فقط لقادة العالم بل لاي انسان عرف ولو قليل عن هذا الرجل الذي استطاع ان يحول الغضب والظلم الى طاقة ايجابية بنى بها وطنا جديدا، ورسخ مفهوما انسانيا راقيا.
مانديلا هو الرئيس الأسبق لجمهورية جنوب إفريقيا وأحد أبرز المناضلين والمقاومين لسياسة التمييز العنصري التي كانت متبعة في جنوب إفريقيا. لقبه أفراد قبيلته بـ’ماديبا’ Madiba وتعني ‘العظيم المبجل’, وهو لقب يطلقه افراد عشيرة مانديلا على الشخص الارفع قدرا بينهم وأصبح مرادفا لاسم نيلسون مانديلا. دائما ما اعتبر مانديلا أن المهاتما غاندي المصدر الأكبر لإلهامه في حياته وفلسفته حول نبذ العنف والمقاومة السلمية ومواجهة المصائب والصعاب بكرامة وكبرياء.
بدا مانديلا رحلة النضال والمقاومة مبكرا، منذ عام 1942 انضم إلى المجلس الأفريقي القومي الذي كان يدعو إلى القضاء على التمييز العنصري وكان عمره وقتها 24 عاما، وفي فبراير 1962 اُعتقل مانديلا وحُكم عليه لمدة 5 سنوات بتهمة السفر الغير قانوني، والتدبير للإضراب. وفي عام 1964 حكم عليه مرة أخرى بتهمة التخطيط لعمل مسلح والخيانة العظمى فحكم عليه بالسجن مدى الحياة. خلال سنوات سجنه الثمانية والعشرين، أصبح النداء بتحرير مانديلا من السجن رمزا لرفض سياسة التمييز العنصري. وفي عام 1985 عُرض على مانديلا إطلاق السراح مقابل إعلان وقف المقاومة المسلحة، إلا أنه رفض العرض. وبقي في السجن حتى 11 فبراير 1990 عندما أثمرت مثابرة المجلس الإفريقي القومي، والضغوطات الدولة عن إطلاق سراحه بأمر من رئيس الجمهورية فريدريك ويليام دى كليرك الذي أعلن ايقاف الحظر الذي كان مفروضا على المجلس الإفريقي. حصل نيلسون مانديلا مع الرئيس فريدريك دكلارك في عام 1993 على جائزة نوبل للسلام. وفاز حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في أول انتخابات متعددة الأعراق مع منح حق التصويت الكامل في 27 أبريل 1994، ثم تنصيب مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا في 10 مايو 1994.
لم يسلك مانديلا سلوك السياسين الذين سبقوه في قيادة بلادهم بعد انتصارهم في معارك المقاومة، فلم يتنصل من وعوده كما يفعل الكثير من السياسيين، بل عمل جاهدا على إرساء دعائم دولة حديثة أصبحت فيها المواطنة وحق الانتخاب والمساواة والحرية تمثل حقوقا للأفراد وليس لجماعات أو أقليات أو عرقيات. لقد اعترفت الدولة بالحقوق الثقافية واللغوية لمختلف مكونات المجتمع، وعملت على حمايتها من خلال إنشاء هيئة حكومية تختص بذلك.
ولم يتشبث مانديلا بالكرسي، أو يدعي أحقيته بالاستمرار في السلطة مقابل دوره التاريخي في النضال، بل غادره طوعا في العام 1999 مفسحا المجال أمام تداول السلطة بشكل سلمي. لقد دخلت جنوب أفريقيا التاريخ من أوسع أبوابه؛ باب الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأصبحت دولة المؤسسات والقانون بحق.
في هذه المناسبة يحضرني ما نسب الى مانيلا في صيف 2011 من رسالة وجهها الى المصريين والتوانسة من بين ما جاء فيها:
” لا زلت أذكر ذلك اليوم بوضوح. كان يومًا مشمسًا من أيام كيب تاون. خرجت من السجن بعد أن سلخت بين جدرانه عشرة آلاف عام.
خرجت إلى الدنيا بعدما وُورِيتُ عنها سبعًا وعشرين عامًا لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إذ سأرى وجوه أطفالي وأمهم بعد كل هذا الزمن، إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها هو:
كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلاً؟” وأضاف في موضع آخر “إن النظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضي المرير.
أذكر جيدا أني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق، لكنني وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل ولولاه لانجرفت جنوب إفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد. لذلك شكلت “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي جلس فيها المعتدي والمعتدى عليه وتصارحا وسامح كل منهما الآخر.
إنها سياسة مرة لكنها ناجحة(…) تخيلوا أننا في جنوب إفريقيا ركزنا – كما تمنى الكثيرون- على السخرية من البيض وتبكيتهم واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ لو حصل ذلك لما كانت قصة جنوب إفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني اليوم.”

الفارق بين مانديلا وبين أي شخص تواجد بالصدفة في موقع القيادة ان مانديلا كان مؤمن بالقيم الإنسانية، وكان ولاءه لكل أبناء وطنه بكل اختلافاتهم العرقية أو القبلية أو الدينية.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s