لم أتذكر اسمه!!

el manawyعبد اللطيف المناوي
 عام 1905 عاش الذعيم النازي هتلر حياة بوهيمية في فيينا على منحة حكومية لإعانة الأيتام ودعم مالي كانت والدته تقدمه له. اعتقد وقتها انه رسام موهوب فتقدم لدراسة فن الرسم مرتين في أكاديمية الفنون الجميلة في فيينا وذلك في عامي 1907 و1908 إلا ان طلبه رفض في المرتين لأنه “غير مناسب لمجال الرسم” وأخبروه أن من الأفضل له توجيه قدراته إلى مجال الهندسة المعمارية. ولم يستطع ان يدرسها لانه على حد قوله في مذكراته ” لم أكن قد حصلت على شهادة المدرسة الثانوية، فبدا لي أن تحقيق حلمي في دنيا الفن مستحيلاً بالفعل”. ودفع العالم الثمن ملايين الأرواح في حرب عالمية يعتقد البعض انه لو كانوا قبلوا به فنانا لجنبوا العالم الدمار.
لا ادري لماذا قفزت قصة هتلر الفنان الفاشل إلى ذهني وأنا أتابع حديثاً لمن احتل منصب وزير ثقافة مصر مؤخراً، أكثر حالات التدمير تنتج من الأشخاص الذين يتعرضون في حياتهم إلى تجارب تجهز أحلامهم ويشعرون أنهم منبوذين من الأوساط التي تمنوا ان ينتموا لها. قد تقف المشكلة عند حدود الشخص ذاته إلى ان يتمكن من الانتقام ممن اعتقد أنهم اجهضوا أحلامه التي اعتقد هو وحده فيها وفي قدراته وممن حاول ان ينتمي اليهم لكن لم تسمح له قدراته أو شخصيته وإمكانياته ان ينضم إلى هؤلاء.
تتبعنا جميعا الضجة الكبيرة التي أثيرت عقب الإعلان عن اسم الشخص الذي تولى منصب وزير الثقافة في التعديل الأخير للحكومة، ورغم ان هذا التعديل لا ينطبق عليه إلا القول “حسبي الله فيمن يديرون هذا البلد” كما سبق ان ذكرت في موضع سابق إلا ان موضوع وزير الثقافة كان له ما يغري على متابعته، ليس فقط بسبب جهل معظم المصريين وكل المثقفين به، فهو في هذا مثله مثل معظم زملائه، وليس لاتهامه بانه أتى لاستكمال مشروع التمكين في مجال الثقافة، فكلهم مكلفون ويعملون لتحقيق ذلك، ولا يعني ذلك أنهم أعضاء في الجماعة فليس هذا ضروريا، فالمهم ان ينفذوا أهدافها طمعا في شيء ما.  ولكن ما أغراني بمتابعة موضوع وزير الصقافة بسبب تلك الحالة التي تلبيته مبكرا بالرغبة في الانتقام والتنكيل واستخدام السلطة التي هبطت عليه أو هبط عليها من اجل الانتقام من شيء ما كان يبدو غير واضح في الأيام الأولى.
زرت صفحة وزارة الثقافة على الإنترنت لمعرفة أسماء وزراء الثقافة المصريين على مر التاريخ لأقارن وأعذب نفسي بما وصل الحال ببلدنا، ولكني وجدت على الصفحة الرئيسية حوار الوزير الجديد مع عمرو الليثي، ولفت نظري ان الشعار الموجود على الفيديو هو شعار الحزب الحاكم الحالي أداة الجماعة في الحكم. اغوتني نفسي لاستمع إلى ما يقوله الوزير الجديد الذي يرفضه كل المثقفين ويبدو انه هو أيضاً يرفضهم، وعملا بقول سقراط الشهير “تكلم حتى أراك” وبدأت استمع لما تكلم به الرجل واستطعت ان أراه لم يغب عني طوال السبعين دقيقة مدة الحوار تخيل ما الذي كان يمكن بهتلر ان يفعه لو تولى أكاديمية الفنون لو تولى مسؤوليتها، الأكيد انه كان سيفعل كما يفعل الوزير الحالي مع المثقفين، لكن الأكيد أننا كنا سن تجنب حربا عالمية!!
الرجل حصل على درجة الدكتوراه بعد ثلاثة وعشرين عاما من تخرجه، وسبق فصله من أكاديمية الفنون، لتغيبه عن العمل عام 1994، إلا أنه عاد إلى العمل بموجب حكم قضائي. ولن أشير إلى مسألة قضية التحرش لانها أمام القضاء بعد ان تقدم هو -كما يقول- بإبلاغ إلى النائب العام. ما سأتوقف أمامه بعض النقاط التي استوقفتني فيمن يتولى مسؤولية الثقافة في مصر. اول صدم أتي هي تلك الثقة المفرطة التي رد بها على اول الأسئلة عما إذا كان يرى نفسه مؤهلا ليشغل نفس الموقع الذي شغله طه حسين وثروت عكاشة وغيرهم فرد كطلقة الرصاص “بالتأكيد”  وبدأت أتابع لأرى أمامي رجلا تملكه الإحساس بانه كان منبوذا من مجتمعات المثقفين وأوساطهم وحان الوقت ليعود لينتقم من كل هؤلاء الذين لم يتمكن من ان يكون واحد منهم، هو يصف نفسه بانه “مثقف مستقل” لا يتحرك في أوساط المثقفين، ويعتقد ان من لم يسمع عنه فهذه ليست مشكلته، فقد ألف الرجل كتابين عن السينما طبعا في إحدى سلاسل الكتب المطبوعة في سوريا ولم يكتب عنها كاتب أو صحفي مصري واحد رغم انه أرسلهما لهم ولكن كتب عنهما بعض الصحف العربية. يلعب الرجل على وتر الموظفين “الغلابة” الذين يطلبون جنيهات قليلة بينما يقبض المثقفون، أتى ليحقق العدالة لفقراء وزارة الثقافة، ويتاجر بكلمات الفقراء والثورة والشهداء والغلابة، ولم اسمع كلاما ذو أي عمق. تحدث بمفردات جديدة على لغة الثقافة، قال أنهم يقرأون على “الفيس”  “الثورة زات نفسها” وان المقصود بالثورة هو “الثورة على الزات”
 حتى كتابة هذه السطور مازالت معركة انتقام دائرة ومشروع تدمير للمؤسسات الثقافية المصرية على قدم وساق، واعلن المثقفون رفضهم لهذا التخريب ولست ادري إلى أي مدى سوف يستمرون أو ينجحون، لكن المهم هو الحفاظ على عصب مصر وقيمتها الحقيقية. الثقافة هي الرصيد المصري الحقيقي ولا ينبغي السماح لمنتقم أو لجماعة ان تدمر أصول هذا الوطن. الأمر الاكيد أنني فشلت في ان أتذكر اسم الوزير بعد كل هذا.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s