شجون مصرية على البحر الميت

201305250636682عبد اللطيف المناوي

كم شعرت بالحزن لما وصل إليه الحال بنا بين دول المنطقة، ازداد هذا الشعور بينما كنت أحضر مؤتمر الشرق الأوسط للمنتدى الاقتصادى العالمى (دافوس)، الذى ينعقد كل عامين، الذى أقيم على شاطئ البحر الميت فى الأردن. عندما دخلت إلى قاعة المؤتمرات التى تحمل اسم الراحل الملك حسين، تذكرت المؤتمر ذاته الذى استضافته مصر فى شرم الشيخ عام 2008، وكان من المؤتمرات المبهرة بحق لكل من شارك فيه، ونجحت مصر وقتها فى إقناع المنتدى الاقتصادى العالمى بأن تعتمد شرم الشيخ ليعقد فيها هذا المؤتمر بشكل دائم بالتبادل مع البحر الميت، وهو بالطبع ما لم يحدث بعد ذلك، وأظنه لن يحدث فى الزمن القريب. شعرت بأن أول شىء يجب أن أفعله أن أرسل رسالة إلى المهندس رشيد محمد رشيد، ليس كصديق ولكن كمصرى، لأشكره فيها على الجهد الذى قدمه لمصر. فقد كان رشيد هو صاحب الجهد والإنجاز باستضافة هذا المؤتمر العالمى فى شرم الشيخ.

منذ اللحظة الأولى وحتى اللحظة الأخيرة من المؤتمر لم ألتق أى شخص وعرف أننى من مصر إلا وأبدى حزنه لما آلت إليه الأوضاع فيها وسادت نبرة المتحدث الشفقة، وتردد دائماً كلمة «مصر لا تستحق ما تواجهه».

المؤتمر هذه السنة كان شعاره «تعزيز أسباب النمو والاستمرارية»، والمقصود هنا القدرة على المحافظة على استمرار النمو، ومحور خلق فرص عمل للشباب كان أكثر المحاور حضوراً فى جلسات المؤتمر، ودون أن أشعر وجدت أننى فى حالة استحضار دائم لبلدى وأنا أستمع إلى الجدل الدائر، ويستمر شعورى بالمرارة عندما أقارن بين ما نحن فيه وبين ما يحدث فى العالم، بين اللغة التى أسمع وبين اللغة التى أصبحت سائدة لدينا بفضل حكامنا الجدد، هم يتحدثون لغة واقعية مبنية على أسس علمية، الذى تحدث عن اقتصاد مصر كأنه يتحدث عن اقتصاد اليابان، ويبشر بأخبار مبتهجة خلال الأسابيع المقبلة، ويشيد بالجهد الكبير الذى تقوم به الحكومة الحالية لإصلاح ما أفسده النظام السابق. كانت الملحوظة الأساسية على من كانوا يستمعون له إما عدم تصديقهم لما يقول أو حالة واضحة من اللامبالاة.

لا أظن أن صاحبنا كان يدرك أن العدد الأكبر من الحاضرين يعلم تماماً حقيقة الوضع الاقتصادى المصرى وفقا لأحدث المعلومات المتاحة فى المؤسسات الدولية. وبمناسبة الأرقام والحقائق فقد جمعنا لقاء بالسيد مسعود أحمد، المدير الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا بصندوق النقد الدولى، وعند حديثه عن موقف القرض المصرى من الصندوق حاول أن يقدم المعلومة الدقيقة بأسلوب غاية فى الدبلوماسية والتهذيب المتوافق مع طبيعته الشخصية البادية عليه، قال السيد مسعود- ما معناه- إنه كانت هناك اتفاقية تم التوصل لها من قبل مع حكومات مصرية سابقة ولم يتم التنفيذ، وإن الوضع الآن هو أن الحكومة المصرية الحالية قد بدأت مرة أخرى إعداد مشروعها للإصلاح الاقتصادى، وعندما تنتهى من مشروعها فسيقدم للصندوق لدراسته وتقييمه لتبدأ المفاوضات بعدها حول القرض. ما فهمته أن الموضوع فى المربع رقم واحد مرة أخرى. إذا «الإنجاز» الاقتصادى الأهم لحكم الجماعة مازال فى طور التكوين الأول.

وبمناسبة طبيعة ومستوى من مثل مصر هذا العام فقد بدا أن هناك تراجعا واضحا فى المستوى الرسمى، وكان الحضور المصرى مثيرا للتعجب من العديد من المشاركين، الذين تساءلوا: هل هذه هى مصر التى نعرفها؟.

أكثر ما لفت النظر فى المشاركة المصرية كان حضور السيد عماد عبدالغفور، القيادة السلفية المعروفة، مساعد الرئيس، حرص الرجل على التواجد طوال أيام المؤتمر، المشكلة أنه ظن أن مجرد الحضور والتجول فى ردهات المؤتمر بابتسامة تبدو متسامحة ومريحة كافٍ لتحقيق الهدف، لكن هذا لا يكفى إلا لأن تحكم على الرجل بأنه مريح، وهذا لا يمثل دولة ولا يشكل سياسة. لقد كانت مشاركته فى إحدى الجلسات حول الحكومات الإسلامية من أكثر المشاركات إثارة للجدل، عندما بدأ يتحدث عن الوضع فى مصر تذكرت من يراهنون على الخلاف بين الإخوان والسلفيين ويعتقدون أن هذا هو المخرج، تساءلت عندما سمعته يتحدث «هل حقاً هناك فرق؟» وإجابتى واضحة: لا فرق هناك.

عندما دخل السيد عبدالغفور إلى القاعة كان من بين المشاركين السيد عمار الحكيم، المرجع الشيعى، السياسى المهم فى العراق، حرص السيد عبدالغفور على ألا يصافح الحكيم، وهو الأمر الذى لفت أنظار الحاضرين ودفع أحدهم فى تعليقه إلى مطالبته بتحسين علاقاتهم مع الطوائف الإسلامية الأخرى قبل الحديث عن العلاقة مع المسيحيين. أما موضوع الأقباط فى مصر فقد قلل من شأنه تماماً، مؤكداً أنه لا مشاكل، ثم ألقى بقنبلة عندما قال: «نحن نعمل على تطبيع العلاقات بين المسلمين والأقباط فى مصر»، وأنا أخرج من القاعة سمعت أحد الذين حضروا يقول للآخر: «هل سمعته وهو يتحدث عن أن المستفيدين بالسياحة من قبل كانوا ثلاثمائة شخص؟ كيف يأتى بلا أرقام أو معلومات؟»، ويرد عليه الآخر: «هذا بسيط، هل سمعته وهو يتحدث عن تطبيع العلاقات مع الأقباط؟».

أما الحضور المصرى الآخر لليبراليين أو المثقفين والمهتمين فلهذا حديث آخر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s